
الحرية لا تليق بك
عندما تقوم ثورة شعبية.. يغدو رواد السجون أبطالا وطنيين، تشعر حينها بأن القاتل على حق، وأن السارق سرق لأنه لم يجد ما يأكل، والمغتصب حرمه النظام حق الزواج بالبطالة، هكذا يفتح الثوار أبواب السجون معانقين إخوانهم من المساجين الأحرار وكأنهم سجناء رأي ومعارضة ، غير عالمين أنهم يسمحون للشيطان ذاته بالخروج ليعيث في الأرض فسادا فوق فسادها، في هذه الأجواء الشيطانية تبدأ الكتائب والسرايا بالإنفثاء كالبثور على وجه الوطن، وينتشر أفراد تلك الجماعات في كل مكان محاولين نشر سطوتهم على المستضعفين بقوة السلاح الذي ظهر فجأة من مكان ما، طبعا لن يحاول أحد التحري عن مصدر السلاح.. لو حاولوا ستفقد الأجندة جلدتها الخارجية، وتُنسل خيوط المؤامرة أمام الجميع، لكن الجميع هنا مشغولون بمحاولة البقاء…!!
يذكرك السيناريو السائد في بلاد العرب بالغاب.. هناك مناطق فرض الذئب عليها هيبته وهيمنته بالعواء والبول والتسكع، تقترب الذئاب الأخرى من منطقة أخينا فتشم التحذير العضوي.. هكذا تتعلم ألا تقترب من تلك المنطقة إلا لو امتلكت القدرة على دحر عدوها القابع معها على أحد أعلى قمم الهرم الغذائي..
في الغاب الافتراضي الذي صنعته ظروف الحرب، وطالما أنك أنت من يحمل السلاح ويستقوي بجماعته.. تغدو كل البيوت بيوتك، وكل السيارات وسائل في خدمتك، وكل النساء جواريك، هذا هو التجديد الحق !!.. بالأمس كنت تلميذا فاشلا وموظفا تافها وحقيرا من أبناء الشوارع لا يشعر بك أحد.. تنظر إلى المسؤولين بسياراتهم الفارهة بذات النظرة التي كان يعبد بها الوثنيون “هُبلاً”، واليوم أضحى كل هؤلاء تحت نعلك، بعضهم مستعد أن يقبل أقدامك فقط كي تتركه ليعيش !!.. بالأمس فقط كنت تشعر بالنقص أمام زيادات مهولة يترعون بها نيابة عنك.. الصحة والثروة والأراضي والضّيع والنفوذ والنقود بلا حصر، كل هذا كان لك ولباقي المعدمين في بلدك، لكنه اليوم عاد !!.. ليس للمعدمين من أصحاب الحق طبعا.. بل لك وحدك، فهنيئا لك يا ابن التراب.. حاول أن تحصل سريعا على كل المتع التي لم تتذوقها إبّان فقرك، الموت كأس سيتذوقه الجميع.. فكيف بمن يعيشون وسط هذا الأتون مثلك ؟!!
ألستم من تعلّمنا على يدِكُمْ
بأنَّ العودَ محميٌّ بحزمتِهِ
ضعيفٌ حين يَنْفَرِدُ؟……….. لهشام الجخ
العجيب أن شاكلة هؤلاء كانوا يعلمون فيما سبق أن الفرقة الحمقاء خيّمت على حكامهم، يعرفون جيدا أن كل دولة تغرد وحدها هي كعود ينتظر الحصاد، لكن لا أحد يعترف بأن الحاكم – على الأقل – كفى الناس شر الاقتتال بينهم، الحاكم لم يوجد هذا الوضع المعقد المتشابك، هو جاء للحكم في زمن الهزائم فأبقى الوضع على ما كان، أما هؤلاء فهم جماعات من ذات البلاد قسمت البلاد إلى دويلات صغيرة متقزمة، فأمست كل حارة ترفع علما تختلف ألوانه عن علم الحارة المحاذية، يعلمون جيدا أن الحارات لو إجتمعت كحزمة العيدان.. فستصنع أمة…!!
لن يعترف أحد بأن الحال الذي كان بالأمس هو أفضل الخيارات المتاحة، تغيرت الحكومات وأسقطت الرؤوس وأعدم الحكام بالخوازيق….. فقط كي نكتشف أننا من بحاجة للتغيير لا الحكام…!!
حين تقوم ثورة شعبية على طاغية.. نكتشف بأن كل عربي يحمل في عروقه جينات البغي والعدوان..
هذه ليست ثورات تقوم من الشعب على حاكم باغٍ.. إنه إنقلاب كامل…

