قارورة العمر ( أمي ) / زايد الكركي

قارورة العمر ( أمي )

يصعب على المرء اذا خلد للنوم ان لا يذكر امه ..ويصعب عليه ايقاف الحنين الممتد حتى الفجر … أمي مشتاق انا وبيننا حواجز االزمان والمكان وطريق صحراوي طويل طالما شهد فرحنا كل خميس يسوقنا اليك , وشهد انكسارنا حين وداعك ذات سبت كئيب.. وانت تلزمين نفس المكان واضعةً يداك على حافه السور وتنهين الحديث بذات الدعاء ” استودعك الله الذي لا تضيع عنده الودائع “, وكيف للودائع ان تضيع وقد نطق لسانك بالدعاء لها ؟! كيف للودائع ان تضيع ايتها السيده التي علق عطرها بكل اجزاءنا وانتشر عبيرها ليعبر الى احداقنا .. كيف تضيع ايتها السيدة التي تعطي بلا حساب وتحب بلا مقابل . أمي وأي شخص سواك في هذا الزمن الرديء يحب بلا مقابل !! أمي ايتها السيده التي ما عرفت امها وما شمت عبيرها وياسمينها .. ما ابشع قدرك يا أمي وانت التي كان يوم ولادتك يوم وفاة أمك .. أي ألم ان يولد المرء بلا أمه … أي انكسار حين يحرم المرء من بريق عينيها ..

سأعود اليوم معك الى البدايات .. أمي يا أولى القِبل ويا بوصلتنا التي لا تتوه أبداً, هاهو شريط الذكريات يمر امامي هأنت أمامي وانا بعمر الثامنة تدخلين الصف كمُدرسة تمتاز بالقوة والصرامة , قلتِ ” سنبدأ الدرس” لكن قبل ذلك لابد من كتابة حكمة اليوم على السبورة , ما زلت احفظ بعضها رغم كل هذه السنين , كنت تكررين ” واحسن الى من أساء اليك” وكنت تحبين ايضاً ” رأس الحكمة مخافة الله” أمي لقد علمتني واجيال قبلي وبعدي ان العلم اخلاق وان العلم عبادة وليس مجموعة احرف وارقام علينا اتقانها, اتذكرين حين قلت لي بأني استحق الترتيب الاول على المجموعة لكن عليَ ان اعذرك فالنزاهه والشفافية تقتضي كبح جماح اجتهادي .. ,أمي دعينا نسير بالذكريات نحو بيت جدي قليلاً نحو مجلسك وجدَي خلف سور البيت وحول الحديث الشجي ,كان مجلسكما مطلاً على الكرم الذي لا يُرى آخره ,كنا نستغل انسجامكما بالحديث لنسير في غزوتنا نحو شجرة التين التي كانت تثمر حباً .. أمي كيف أصف لهذا الجيل الذي اعتاد أكل ” الكاكا والكيوي” اليهودية الممزوجة بدم شهداء فلسطين وبطبعةٍ تغير هويتها لاسبانية , كيف أصف لهم لذه تينة جدي الممزوجة بالحب والخير والرجولة.. اعلم الاجابة ستقولين ” تغير الزمان” .

أمي يا اديبة العصر , فكم من شعر علمتني منذ الصغر اتذكرين قصة ” ومن يخطب الحسناء لا يغلها المهر” وقصة ” ضاقت فلما استحكمت حلقاتها” او ربما تذكرين قصة ” وان سالك عني من الحي حساد” فكلها ابيات كنت تردديها وقصصها على مسامعنا حتى صارت جزءً من حياتنا , سأسير قليلاً في شريط الذكريات , ترى هل تذكرين امتحانات الثانوية , ملخصاتك الجميلة فقد كنت تعلمين اني لا أحب الحفظ والتلقين فكنت تقدمي لي الجزء المعقد بصورة مبهجة وبلمسة سحريه .. اتذكرين تشجيعك لي بعد امتحان اللغة الانجليزية حين شعرت اني خذلت نفسي وخذلتك. اتذكرين حين قلت لي ” قوي قلبك انت الاول دائما وستبقى كذلك” , كم سهرت معي خوفاً من ان يغافلني النعاس واترك المدفاة كنت تعدين الساعات معي ساعة ساعة.

أمي , لقد وصلت منتصف العمر واجتزته قليلاً تعلمت منك الكثير وانت سيدة الصبر وقارورة الحب التي لا تنضب ,علمتني الحرية وعلمتني ان اكون قوياً , اردت لي طريقاً للنجاح , وانا اليوم عاجز ان اخفي مشاعري عنك , فانت شريكة الفرح وشريكة الحزن والضيق , أمي ها أنا وبعد ثلاثين ربيعاً اقف عاجزا عن حل اي مشكلة دون دعائك وصلاتك , أمي ما زلت ورغم انتصاف العمر لا أريد أن أكبر, فطفلك المدلل ورغم انه صار أباً الا انه ما زال لا يريد الخروج من طفولته معك, مازلت اخذ النقود منك في كل مرة ازورك, ما زلت احتفل ب ” كيس المونة” منك ,فنحن يا أمي لم نكبر .لكن فقط هو العمر من تقدم ..

هاهو الحادي والعشرين من آذار يعود دون تأخير , هاهو الصباح يشرق وانت كما انت ألقٌ وحبٌ وحنينٌ ممتد , صباح الخير على كل اشيائك , صباح الخير على مطبخ الخير ومخزن الكراكيب الذي لطالما عشقتي تعزيله وترتيبه وازاله اثار الدمار الذي نحدث ,, صباح الخير على زاويه البيت اسفل السور حيث تجلسين ,, اتذكرين امي كم من الأسرار بحت لك هناك وانت كما جرت العاده تقسمين لي بأن يبقى السر سراً رغم ثقتي بانك مستودع اسرارنا واحزاننا , صباحك انت فلا أجمل من هذا الصباح.

كل عام وانت السيدة الاولى والجدة الجميلة .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى