
مفهوم الجهاد في الإسلام
الجهاد والإستشهاد هما عبارتان لا توجدان إلا في الإسلام ، لذلك ليس لهما مرادفة في اللغات الأخرى .
في عقلية الكثيرين ، هنالك ارتباط جدلي بين عبارتي الجهاد والقتل ، لدرجة اعتبارهم الإسلام دينا للسيف والعنف .
رغم أن الفكرة غير صحيحة إطلاقا ، لكننا سنعرضها بشكل موضوعي ، في سياقين : المعاصر والتاربخي : بعيدا عن التحيز المسبق سواء معها أو ضدها .
بدأت الدعوات للجهاد كردة فعل على تخاذل الأنظمة العربية في نصرة الشعب الفلسطيني ، وتهربهم من واجبهم الشرعي والوطني باقتصار الجهود على الحلول السلمية الوهمية ، وتمثلت في تأسيس ثلاثة منظمات رعاها إسلاميون : فالإخوان المسلمون أسسوا حماس ، والتحريريون الجهاد الإسلامي ، والشيعة حزب الله .
كانت محاولة اليهود إحراق المسجد الأقصى عام 1969 بهدف استكشاف ردة فعل الأمة العربية الإسلامية : هل أثمرت هزيمة عام 67 في تحقيق استسلامها واندحارها ؟ ، لكنها على عكس المأمول .. كانت قوية لدرجة أن ( مستشاري ) الأنظمة نصحوا بامتصاصها بعقد مؤتمر قمة إسلامي عام 1971 في الرباط ، الذي دعا إلى الجهاد ، وتشكلت على إثره منظمة المؤتمر الإسلامي ، لكن في مؤتمرها السادس في دكار عام 1991 أسقطت الجهاد بضغط من أمريكا ، التي كانت تريد غطاء شرعيا لضرب العراق ، حيث تم لها ذلك بانقياد كامل : قوميا بمباركة ومشاركة أنظمة دول الخليج ومصر وسوريا والمغرب ، وشرعيا بفتوى من ابن باز .
الحقيقة أن تلك كان نقطة البداية لولادة الجماعات الجهادية المعاصرة العابرة للأقطار ، وليس كما يحاول البعض تشويهها بالقول أن منشأها أمريكي في مرحلة القتال ضد الإتحاد السوفياتي عندما احتل أفغانستان ، لأن ذلك ينطبق على التنظيم الذي أسسه عبدالله العزام .
لقد حدثت ردة فعل لدى المسلمين ( مثلما توقع الأمير حسن غداة حرب الكويت ) حينما حذر من التمادي في اضطهاد المسلمين الذين سيشعرون بخيبة الأمل من حكامهم ، فبدأ التحول إلى الجهاد وحمل السلاح للخلاص من التواجد الأمريكي في دول الخليج ، الذي تأكد لجيل الشباب الناقم أنه لم يستخدم يوما للدفاع عنها ، بل للعدوان على المسلمين في المنطقة ولدوافع الأطماع الاستعمارية . وانتشرت هذه الدعوات كالنار في الهشيم في كافة الأقطار الإسلامية لتطابق الظروف فيها مع الحالة الخليجية .
ساهمت وسائل التواصل في توحيد جهودهم والتنسيق العابر للحدود مما دغدغ مشاعر إعادة توحيد الأمة .
بطبيعة الحال اعتبرت الأنظمة ذلك خروجا على طاعة ولي الأمر وتعاملت مع الأمر بقسوة بالغة ، لكن أمريكا تدرك أن الإستهداف الأبعد هو لها وليس للأنظمة العميلة لها ، فتعاملت مع هذا التهديد الجديد عليها بمنتهى الجدية ، وأوجدت له مسمى أكثر لؤما وهو الإرهاب .. لأن ذلك يتيح اللجوء الى أساليب لا تجيزها القواعد الحربية التقليدية ، ومنذئذ .. أصبح ذلك المسمى هو المعتمد رسميا بديلا لمسمى الجهاد .
هكذا إذن أصبحت التعريفات مغايرة للأصل … فما هو أصل الجهاد ؟
الجهاد في الإسلام نوعان : الجهاد الأصغر وهو يقابل إعلان الحرب في المفهوم الدولي المعاصر ، ويتم في حالتين فقط لا ثالث لهما : الأولى : قتال الطامع المعتدي على ديار الإسلام ، والثانية ضد الذي يستخدم القوة لمنع نشر الدعوة سلميا بين البشر ، لتعميم الهداية لكل الناس ، والذي هو واجب شرعي فرضه الله على من وصلته الرسالة لإيصالها إلى غيره ، والدعوة تكون فقط بالإقناع بالحكمة والموعظة الحسنة ، وليست بالسلاح ، لكن لا يتم اللجوء له إلا إذا منعت هذه الدعوة بالقوة .
أما النوع الثاني وهو الجهاد الأكبر ، وسمي كذلك لأن فيه مشقة أكثر ، فهو محاربة النزعات الأنانية والشريرة في نفس الإنسان ذاتيا ، والتمسك بالأخلاق الحميدة ، وذلك بوسيلتين : الأولى تحصيل علمي يتم بالتعلم الذاتي المستمر والتفقه في الدين ، والأخرى تدريب وتمرين تعبوي متواصل ، لمغالبة الشهوات والميول السلبية عن طريق جرعات يومية إيمانية تماما مثل تناول أدوية الأمراض المزمنة .. وهذه العلاجات هي تأدية العبادات أولا ثم التفكر والتأمل في خلق الله ونعمه لتعميق الإيمان ثانيا ، ثم أخيرا التقرب من الله بالطاعات ( النوافل ) للحصول على الدرجة العليا : مرتبة الإحسان .
هذا هو مفهوم الجهاد في الإسلام تحديدا : الأصغر منهما مؤقت يتوقف عند زوال أسباب حدوثه ، وهو فرض كفاية يقرر ابتداءه وانتهاءه الحاكم الذي يقيم شرع الله في الدولة ، ويتولى تنفيذه من هو أهل له ، لكنه يصبح فرض عين على جميع المسلمين إذا تعرض قطر للإحتلال من قبل اعداء الإسلام .
أما الأكبر فهو فريضة دائمة باقية ما دامت الحياة ، لان صراع الخير والشر مسألة دائمة قائمة دوام الإنسان ذاته .
الخلاصة : بهذا التوضيح المختصر ، يتبين لنا كم هي الحقيقة مذبوحة ، وكم هو التجني على الإسلام تحديدا ، من قبل أعدائه من الخارج وهم الحاقدون التاريخيون ، ومن الداخل وهم المغالون والمتشددون ، فقد تمكن الطرفان على غير تنسيق بينهما ، من تغيير المفاهيم حتى أوصلاها إلى الضد تماما … فالجهاد في الإسلام ذروة سنامه ، لأنه يمثل قمة الإيثار والتضحية في بذل النفس والمال في الدفاع عن الحق الإنساني والمبدأ الإلهي ، وليس القتل العبثي لقاء المال كما في جماعات غربية ( بلاك ووتر ) أو القتل لأهداف سياسية مثل إغتيالات الموساد والمخابرات المركزية ، أو القتل الجماعي الجبان ( الطائرات بدون طيار ) .. فهذا هو عين الإرهاب ، والجهاد يرفض بالمطلق اللجوء إلى أي من تلك الأعمال المشينة … التي يستسيغها الضمير الغربي !
– للإطلاع على المزيد من انتاج الكاتب يرجى الدخول على صفحته على الفيس بوك : صفحة الدكتور هاشم غرايبه

