
نسوان حارتنا
الحاجة تقيه المبيضين
الاهداء :
الى صديقي الدكتور رامي الحباشنه استاذ علم الاجتماع في جامعة مؤته
يا صديقي من يجرؤ على أن يفسد حزنك ؟!
وصلت الى منزل الدكتور رامي قبل الموعد بقليل ، استقبلني بابتسامه ودعوة لاحتساء فنجان قهوة في شرفة المنزل ، افترشت المقعد المطل على الشارع ولاذ هو الى داخل المنزل ، ما هي الاّ لحظات حتى عاد وهو يحمل القهوة بعد ان ارتدى ربطه عنقه ليكمل ما تبقى من اناقته بها .
تجاذبنا أطراف الحديث بابتسامة والكثير من الحميمة ، قاطعنا صوت أم رامي وهي تطرق السلام والكثير من الدعاء ، خرجت من باب المنزل وهي تحمل حذاء اسود في يدها ، افترشت المقعد في الزاوية البعيدة ثم القت حذائها الى الأرض، لا أدري لما أحدث صوت ارتطام الجذاء بالارض كل ذلك الضجيج في دواخل رامي ، عرفت ذلك عندما قفز من مقعدة ليلقي نفسه تحت قدميها وهو يجثو على ركبتيه غير آبه باتساخ بنطاله الانيق .
يمسك حذائها الصغير ويدسه في قدميها الصغيرتين ، يعانده الحذاء قليلا أو ربما كثيرا ولكن الأمر قد طال .
يخيم الصمت على المكان ، رامي يحاول ان يدخل قدم أمه في الحذاء وهي تدس أصابعها في شعره وتمسح رأسه بحنان ،،،
يتمادى رامي في عمله أكثر وكأنه يبعثر ضجيج روحه في محاولة لاسترجاع حالة الاتزان التي فقدها لحظة ارتطام الحذاء بالارض ، ربما كانت لمسه يد أمه على شعره قد بعثت الطمأنينة في روحه …
تبتسم أم رامي في وجهي وابادلها ذات الأبتسامة .
طال الأمر أكثر مما ينبغي ، اكسر حاجز الصمت بسؤال اعرف اجابته جيدا ،،
كيف حالك الان يا حجة .
تجيب باقتضاب : انا بخير ، ثم تربت على رأس رامي .
هي ليست بخير ، أعلم ذلك ،
يتناوب عليها الم الاعصاب والظهر والضغط وارتفاع السكر ، عدا عن ضعف عضلة القلب .
ينهي رامي عمله بنجاح ، يعود الى مقعده من جديد ، يهرب بنظراته من عيني أمه التي كانت تلاحقه دون أن ترمش.
نعود الى صمتنا من جديد ،لا شيء هنا سوى تراشق رشفات القهوة بيني وبين رامي .
تمتطي أم رامي الدرج الصغير بعد ان ادارت ظهرها لنا ، هذه المره يلاحقها رامي بنظراته بأهتمام مفرط … قالت انها ستزور جارتها القريبه .
تغيب عن ناظرينا بعد ان ابتلعها الزقاق المجاور ، اباغت رامي بسؤال لعلي اعيده الى ما كنا فيه
قلت : هل انتهيت من تصليح اوراق الامتحانات جميعها؟
تجاهل رامي سؤالي وكأنه لم يسمعه ، نظر الي وهو يبتسم ويقول : هل تعلم كم كنت ساذجا عندما كنت ارتدي حذائي بالمقلوب ، كنت صغيرا الى الحد الذي لم اكتشف فيه العلاقة بين الحذاء والقدم ، لم اكن اهتم لذلك رغم محاولات أمي البائسة في تعليمي كيف ارتدي حذائي ،أستمر ذلك حتى سن السابعه ربما ، ولكن امي لم تسخر من سذاجتي ولم توبخني يوما ، كانت تعيد ترتيب الحذاء في قدمي ثم تطبع قبلة على خدي وتربت على ظهري .
كبرت وكبرت أمي أرملة تحمل على صدرها هموم واحزان العائلة ،داهمها المرض والفقر وقلة الحيله في ذات الوقت ، لم يكن امامها سوى أن تستثمرني في العلم ، ضلّت تلح عليّ لاكمال دراستي،
وكانت تستعين بالصبر والصلاة على قضاء حوائجنا .
ذات فجر صحوت على صوت نحيب أمي ، دخلتُ الى غرفتها وانا استرق السمع والبصر من طرف الباب الموارب ، كانت تفترش سجادة الصلاة ، تفتح ذراعيها وهي تنظر الى السماء وتلح في الدعاء والتوسل والتذلل ، كان نحيبها كفيلا بأن اشاركها الحزن والدمعة ذاتها ،
أقتربت منها أكثر ، اتكأت على كتفيها وطبعت قبلة على رأسها رفعت يدها وادارتها الى رأسي لتتحسس وجهي ، ثم ادارت وجهها ،
كان وجهها أبيض ناصع وكأن النور ينبثق من وجنتيها ، وثمة طيف يرتسم على جبهتها وكأنه حبل سري يصل الأرض بالسماء ، هنا عرفت ان الله لن يخذل قلب يرتجي رحمته بالسجود والدعاء كقلب أمي .
أبتسم رامي وهو يهم في لملمة فناجين القهوة ويعيدها الى الداخل ، وأنا كنت الملم تفاصيل روحي واتمنى لو اني جثوت على ركبتي مع رامي وشاركته في دس الحذاء في قدميها .
