عن أذنك / يوسف غيشان

عن أذنك
يوسف غيشان

كان الترميز في الماضي امتيازا عربيا صرفا،نستخدمه في الشعر والنشر والمحاورات القبلية ، ليس خوفا من المباشرة بل امعانا في المخيال الإبداعي، لكن يبدو اننا تخلينا عن هذه الرمزية الرائعة من جملة ما تخلينا عنه، بعد ان تحولنا الى ملطشة للأمم.

أذن عملاقة حمراء تنتصب شامخة في مكان عام داخل قلب العاصمة الكورية سيؤول،هذا ما سوف ترونه اذا فتحتم اليوتيوب تحت عنوان(أذن عملاقة للإصغاء الى شكاوى المواطنين في كوريا)، مع فيديو توضيحي. بالتأكيد فإن نسخا من هذه الأذن ستنتصب في كل مدينة وقرية وحاضرة في كوريا “الجنوبية طبعا”.
الأذن معروفة من عنوانها ، ولا داعي للتوضيح المفصّل، كل ما على المواطن الكوري الذي يريد ايصال شكواه الى أعلى المسؤولين ، كل ما عليه هو الوقوف بجانب الأذن ، والحديث عن شكواه بالتفصيل الممل إن شاء. ولا يستطيع المسؤول الكبير أن يدعي بأن الشكوى لم تصل الى أذنه ، أو يقول بأنها في طريقها الى الوصول ، وتحميل المسؤولين الأصغر مسؤولية الإهمال أو التسيب الإداري.

لن يضطر المواطن الكوري الى كتابة استدعاء عرمرمي بمبلغ مرقوم مع مترونصف من طوابع الواردات، وتوسيط الشيخ أو المختار أو القريب أو النائب السابق واللاحق، أو رشوة مدير المكتب ، وإرضاء الفراش، من اجل إيصال شكواه الى اقرب مكان من إلية المدير العام، او من ينوب عمن ينوب عنها.
لا حاجة الى دواوين للمظالم تقام بفلل – على حساب الخزينة- بأسعار مضاعفة، مستأجرة من مسؤولين كبار، او تكوين وزارات وهيئات وسطية بين المواطن والمسؤولين، تبتلع قسما مهما من الميزانية وترفع نسبة البطالة المقنّعة، خصوصا انها تتطلب تعيين كبار الموظفين برواتب مجزية من اقارب المسؤولين أو من مفاتيح النواب الإنتخابية للدورات المقبلة…. اثبت الكوريون، لنا وللعالم، بأن الأذن هي أقرب مسافة بين خطين، او بالأحرى بين خط واحد ، في بدايته فم يشكو وفي نهايته اذن مسؤول يستمع.

تخيلوا لو يتم نصب أذن عملاقة في كل مدينة وقرية وبادية عربية، بالتأكيد سنجد صفوفا من الموطنين يتحدثون باستمرار…وموظف بديل ، يضعه المسؤول مكانه، نائم في الطرف الآخر….. وصوت شخير يقطع على المشتكي ، ويفقده التركيز.
ghishan@gmail.com

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى