الحريات الفكرية في الإسلام – 1 / د . هاشم غرايبة

الحريات الفكرية في الإسلام – 1
يكاد يكون هنالك تطابق تام في وجهة النظر نحو الإسلام عند ثلاثة أصناف من الناس : الأول معتنقو المادية والوجودية ، والثاني المتعصبون ضده تاريخيا حسدا من عند أنفسهم كون الرسالة الخاتمة نزلت على العرب ، والثالث هم الغالبية الساحقة من بين الأصناف الثلاثة وهم يتصفون بالجهل بالإسلام فقد اقتصرت معلوماتهم عنه من مصادر معادية له ، ولم يكن لديهم الرغبة أصلا في تصحيح معلوماتهم .
أما هذه النظرة التي يتفقون عليها فمفادها أن الإسلام عقيدة قسرية تحظر التفكير وتغلق العقل عل مقولات ميتافيزيقية ، لهذا فهم يخلصون إلى أنه يفرض الحجر على الحرية الفكرية .
طبعا لا يوجد دليل عند هؤلاء على صحة ظنهم ، فأوسعهم ثقافة واطلاعا لا يختلف عن أكثرهم جهلا في رفضهم الإطلاع المعرفي على الإسلام، حيث يتفقون على عدم الإعتراف بأن القرآن الكريم كتاب سماوي ولا بنبوة النبي الكريم (ص) ، مع أنهم قد يؤمنون بالكتب والأنبياء الذين سبقوه ، فطالما أن الله أرسل رسولا فما المانع أن يرسل آخر بعده طالما أن ذلك الرسول لم يقل أنه آخر الرسل .
قد نتفهم أن الصنف الأول يرفض فكرة وجود الله أصلا ، لكن ما هي حجة الصنفين الآخرين في رفض اعتبار الإسلام دينا من الله ؟.
ومع ذلك فإن التناقض الفاضح في فكرة الماديين والوجوديين بشأن إنكار الخالق بناء على عدم الإعتراف بوجود ماهو غير محسوس أو مدرك يشكل ثغرة كبيرة في هذا المنهج الفكري .
ظهرت الوجودية في أوروبا في البداية كحركة تمرد على تعاليم الكنيسة، فحاول ” كيركجارد” في البداية التوفيق بين المادة والروح لكن بعد ” سارتر” تحولت الى الإلحاد، فأصبح مَذْهبا فلسفيّاً يرى (أنّ الإنسان حرّ يستطيع أن يصنع نَفْسه ويتّخذ موقفه كما يبدو له تحقيقًا لوجوده الكامل وأنّ الوجود يتقدَّم الماهيّة )، لكنه بقي يلجأ الى التهويم الفلسفي للخروج من مأزق تفسير معنى الوجود وعلته .
إن الوجود كما نفهمه هو حضور الشيء مجسما في العالم المحسوس في لحظة او اكثر من الزمن، لكن هل يكفي ذلك لتفسير ماهية ما لا يمكن إدراكه بالحواس المادية، مثلا نعرف بالإستدلال العلمي تأثير الهرمونات في الجسم ونستطيع أن نرصد مفعولها، لكن رغم أنها مادة إلا أننا لانستطيع رصدها وجوديا ولا نعرف مسارها فهي تنتقل من الغدة الى الدورة الدموية من غير قناة أو مسار محدد، فهل يمكننا القول أنها غير موجودة بناء على التفسير المجسم للوجود؟، وهنالك العديد من الأمثلة المشابهة التي لا يمكن رصدها بأي وسيلة مثل النواة والإلكترونات ومداراتها، والتيار الكهربائي، وفوتونات الضوء ..حتى الثقب الأسود كيف نجزم بوجوده مع أنه لا يمكن رؤيته أو تصوره لأنه يمثل العدم.
إذن نتوصل الى نتيجة مفادها أن هنالك الكثير مما ندرك آثاره لكننا غير قادرين بأية وسيلة حسية عن إدراك ماهيته، وبنفس الحجة التي بموجبها صدقنا العالِم الذي أخبرنا بفرضية الثقب الأسود، وهي أنه مخبر صادق موثوق به، فكذلك النبي فهو معروف بالصدق والأمانة التامتين وفوق ذلك معزز بكتاب معجز للبشر وقائم الى يومنا هذا، وقد تحدى الخالق البشر أن يأتي أحد بمثله أو يتمكن من تغيير كلمة منه، وها قد صدق التحدي.
إن كانت الغاية من الوجودية انكار وجود خالق لعلة عدم القدرة على رؤيته، بئس ذلك الفكر البائس الذي يعتمد الشك في بناء نظرية .. أليس الشك في جدوى ومعنى هذه النظرية مبررا أيضا لإنكارها بالمثل!؟.
وللحديث بقية .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى