
العربية في يومها العالمي
إذا سلمنا بأنه لا حاجة لتقارير الخبراء ورأي العلماء للإقرار بأن اللغة العربية تعاني من أزمة شديدة وغياب شبه تام عن الناتج الحضاري العالمي في هذه الأيام رغم نبوغ أبنائها وقدرتهم على العطاء، فإن السؤال عن الأسباب التي أوصلت لغتنا إلى ما هي عليه يصبح مبرراً بل ملحاً وعاجلاً، ولعلّ من الضروري التذكير بأن هذه الأزمة ليست حديثة، فعمرها جاوز عمر أشجار النخيل في أرض العرب، ولولا أنها لغة القران لما تبقى منها الان إلا مخطوطات في بعض المتاحف، أو لصارت لغة من اللغات المحلية غير المكتوبة. الغريب في الأمر والمستهجن في آن واحد هو أن يحل مثل هذا بلغة استأمنها أبو بكر الصديق رضي الله عنه عندما خشي على القران من الضياع، بعد استشهاد عدد كبير من حفظة القران، كما أن حضارة كاملة امتدت على مدى قرون تشهد بعظمة هذه اللغة وقدرتها على التأقلم، وبالتالي العيب ليس في بنية اللغة وقدرتها على التأقلم كما كان الحال مع لغات أخرى درست، إذا نعود لنسأل لماذا ؟
تراكمت عبر الزمن عوامل عدة لتصير بلغتنا إلى الحال التي هي فيه لعلّ من أهمها عاملين، الأول مرتبط بأزمة الانتماء التي يعاني منها كثير من العرب، نعم نحن بتنا نخجل من لغتنا مثل خجلنا من هويتنا و عروبتنا. أما العامل الثاني فهو بالغ الخطورة لارتباطه بإحدى وظائف اللغة الأساسية وهي قدرتها على أن تكون أداة للعلم والتعلم.
الاستدلال على العامل الأول أمر بغاية اليسر فيكفي أن نشاهد أي قناة تلفزيونية عربية (طبعا غير دينية أو إخبارية) لنرى كيف ألفنا جميعاً الأذى السمعي الذي تهل به علينا البرامج التلفزيونية، بمضيفيها الذين لم يعودوا قادرين على إنهاء جملة واحدة دون استخدام كلمة أو اثنتين باللغة الأجنبية، رغم وجود مقابلاتها بالعربية. إعلامنا العربي ينخره الفساد لا ينقل إلينا إلا المحتويات الرديئة بلغات مشوَّهة قد جعلت المشاهد يختنق بدخان اللا معنى والتضارب والتناقض والتوظيف والتخريب الممنهج للعقول تحت مسميات الحرية الإعلامية. وإنه من المؤسف أن القنوات ووسائل الإعلام الأجنبية التي تتكلم بالعربية أشد حرصا على اللغة المعيارية الصحيحة من كثير من القنوات التي تسمي نفسها عربية …
أما البيئة العربية في الشوارع والواجهات والإدارات فهي حالة من الفوضى التي تنبئ بانتحار ثقافي جماعي. تسرب العاميات في كل مكان وخلطها بلغات أجنبية دون موجب. وإن نشدتم المزيد من القهر والحزن فانظروا كيف يميل شبابنا لاستخدام المصطلحات الأجنبية، سواء أثناء تواصلهم في الرسائل القصيرة عبر الجوال أو على مواقع التواصل الاجتماعي ليخرجوا بجمل هزيلة و مجازر حقيقية ترتكب بحق هذه اللغة.
نعم لقد أضحى أبناؤنا غرباء عن هذه اللغة وليس هذا إلا أحد ملامح ضعف انتمائهم إلى الأمة العربية بحد ذاتها، لكننا نذكر أن لا بدّ من إعادة الثقة للهوية العربية وبعدها يعود الناس بسرعة لأصولهم. سنرى ذلك عندما تصبح حيازة جواز سفر عربي تشريفاً يسعى له الناس، لا تهمة يسعون للتخلص منها واستبدالها، وبالتالي لا مناص من أن تتحرر عقولنا وقلوبنا من عقدة العربي الضعيف قبل أن تنطلق أصواتنا للحديث بلغته.
أما إن أردنا التحدث عن غياب الدور العلمي للغة العربية، فعلينا هنا أن نجهز مناديلنا لنمسح دموعنا حزنا عليها و لنخبئ بها وجوهنا خجلاً مما فعلناه في هذه اللغة العظيمة، فكل من عمل في مجال البحث العلمي أو التدريس يعلم حالة الشلل التام والخيبة التي تصيبه عندما يبدأ البحث عن مرجع أو مقال حديث باللغة العربية، للأسف نحن الآن نعيش أمام تدهور مخيف في حركة الترجمة إلى اللغة العربية، والتي بدونها لا يمكن أن تستعيد اللغة دورها العلمي. دعونا نقرّ أنه بدون دعم التعليم باللغة العربية لن يبقى للغتنا شيء تتغذى عليه، وستلقى عندها مصير اللغة اللاتينية لتصبح لغة لبعض رجال الدين لا أكثر. حتى يصبح هذا ممكنا لا بد من أن يمشي التعليم باللغة العربية جنباً إلى جنب مع تعلم اللغات الأجنبية وتشجيع حركة الترجمة.
يذكر هنا أن الدول المتقدمة أدركت أهمية الترجمة، رغم أن مختبراتهم وجامعاتهم هي مصدر بحد ذاته للأبحاث والدراسات الحديثة، لكنهم لم يريدوا أن تضمحل لغاتهم في وجه لغة العلم الأولى اللغة الإنجليزية، فعملوا على توفير النصوص المترجمة للباحثين والعاملين في قطاع العلم بشكل يكاد يكون يوميا في بعض الأحيان، ذلك طبعا حسب أهمية البحث أو المقال المترجم. ولعل هذا درس تعلموه من أجدادنا أيام كانت الدولة الإسلامية في أوج ازدهارها حينما أنشأ العباسيون دار الحكمة للترجمة ونقلوا من خلالها علوم الأولين إلى العربية لتتشكل بعدها نهضتهم العلمية التي بنيت عليها الحضارات الحديثة.
لغتنا العربية، في نهاية المطاف، هي سرّ مكتوم في كلمة .. ورثناها من أجدادنا … والكلمة هي تلك النبتة التي تلقح فتربو، وتمتد فتنمو، وتثمر فتدنو، وتطعم فتحنو، وتيبس فتجثو، وتختمر فتغفو، قبل أن تهتز من جديد وتربو .. تماما كطائر الفينيق الأسطوري الذي يولد من عظامه النخرة مولود جديد يخلفه من أجل ربط المتقدم بالمتأخر في سلسلة من التجدد السرمدي … سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا .. لقد دفعتنا الكلمة العربية دفعا فصرنا في واجهة الحضارات البشرية ردحا من الزمن. ثم ضمرت الكلمة بضمور الإنسان المتكلّم بها فصرنا في وضع لا يحسدنا عليه الحساد. وعندما بدأنا نعود للحياة من جديد وجدنا أنفسنا في واجهة عالم جديد فقد المعاني وانحطت أخلاقه حتى وصلت لقعر الجراب… وها نحن في عيد اللغة العربية نجتمع من جديد فأي رسالة نوجهها إلى العالم في هذا اليوم المشهود؟؟؟
صحيح أن المبادرات التي طرحت والإنجازات التي تحققت تستحق التنويه والتشجيع.. صحيح أن المملكة العربية السعودية والمملكة المغربية قد بذلتا جهدا يقدره المنصف ويحترمه الخصم من أجل نشر اللغة العربية وإقامة هذا اليوم العالمي لها. ولكن ماذا عن الآخرين؟ ألسنا أمة تمتد من المحيط إلى الخليج؟ صحيح أن الكثيرين قالوا كلاما عظيما في حب اللغة العربية وتعشقّوها كما تستحق. على أننا الآن وهنا، من المهم أن نربط بين المشاعر والمشاغل، بين الطاقة والمشاعل.
لنصارح أنفسنا : إن اللغة العربية لا تنتظر منا قصائد الحبّ وقصص العشق فحسب، بل كذلك تنتظر منا عربيتنا العظيمة المنجزات الواقعية التي يمكن لكل منا أن يلمسها في حياته.
تعلمينا العربي ينتظر ثورة بيضاء عنوانها ” إصلاح التعليم”، على أن تكون اللغة العربية هي القرار النهائي لقطع دابر مئة سنة من التردد والتذبذب والهيمنة والاستعمار . لا يمكننا إبداع أي شيء بلغات الآخرين ولا بعاميات تهجنت وتكلست وتقصلت وتملصت من كل قاعدة وقياس.
يقول د. ياسر المحيو، مسؤول قسم الاتصال بالمرصد الأوروبي لتعليم اللغة العربية: “إن كانت اللغة أمًّا فكم نحن عاقون ! وإن كانت اللغة وطناً فكم نحن ضائعون ! وإن كانت اللغة خبزاً فكم نحن جياع ! وإن كانت اللغة علمًا ومعرفة فكم نحن جاهلون ! وإن كانت اللغة قلبًا نابضًا .. فهل نحن على قيد الحياة ؟؟
ونحن نقول نعم نحن على قيد الحياة، لكن الحياة هي التي ليست في قيدنا. نحن أمّة عربية ننتمي للإسلام، علّمنا العالمُ في عصرنا هذا فنّ الموت .. وإنه والله آن الأوان أن نعلّم الدنيا فنّ الحياة. شرط أن نحفّ الحياة بالثقافة والمعرفة والعلم، وشرط أن نكسر حصار التفاهة التي تحيط بنا من كل جانب. يقول بشير العبيدي رئيس المرصد الأوروبي لتعليم العربية “لقد أرضعتني أمي حبّ اللغة العربية وخدمتها … كانت أمي التي اجتازت عتبة الثمانين ـ حفظها الله ـ أميّة، غير أنّها كانت كلما بعثتني إلى السّماك أشترى لها السمك ـ في بلدي تونس ـ لا تترك أبدا أن تقول لي بلهجتها الجزائرية الأصيلة … يا بشير، لا تقبل أن يلفّ لك السمّاك السّمك في ورق صحيفة مكتوبة بالعربية .. فهي لغة شريفة مقدسة”. تقول سيدة عراقية تعيش في عمــــَــان في اتصال مع إحدى الإذاعات المحلية “إن ما يميز حياة أسرتها عن الآخرين أنها وزوجها خصصوا يوم الجمعة من كل أسبوع لا تتحدث فيه العائلة إلا باللغة العربية الفصحى ولا يتخلف أحد من أفراد العائلة عن ذلك وهو موروث أخذته عن والدها في العراق”. مازال شريان العربية ينبض بالحياة في بعض القلوب.
نعم العربية لغة شريفة نطق بها الوحي والفن والجمال والعلم والإبداع. وشرّف الله كل أمّ عربية وأب عربيّ أدخلا أولادهما لمملكة الشرف .. من بوابة اللسان العربي المبين ..
لقد جُمِع الجمال كله في الكون فكان الكلمة … وجُمعَ الزمان كله فكان رضا الله .. ألا ترى القرآن قد نزل بسورة اقرأ … ثم لم تكن سورة أحب الله أن تكون بعد اقرأ إلا سورة القلم وقسمها العظيم “ن، والقلم وما يسطرون”.
