ما وراء الحرب على الإرهاب / ماهر ابو طير

ما وراء الحرب على الإرهاب

بكل قوة، وخلال السنين القليلة الماضية، يسعى المحور الايراني، ومعه النظام السوري، لاعادة رسم هوية سوريا الديموغرافية، عبر التخفيف من اعداد السوريين السنة، وترحيلهم الى اي مكان.
هذا ليس اتهاما مجانيا، والا كيف يمكن ان نفسر ان اغلب المتضررين من الحرب السورية، ومن همجية العمليات العسكرية، هم من السوريين السنة، مثلما ان الغالبية العظمى من اللاجئين السوريين، هم من السنة، وليس ادل على ذلك مما نراه في الاردن، لبنان، تركيا، العراق، ودول اخرى، من كون الهوية المذهبية للاجئين السوريين، هي هوية سنية؟.
من المؤسف ان يضطر المرء لتحليل المشهد، بطريقة مذهبية، لكن هذا هو الواقع، وليس ادل على ذلك مما نراه في درعا من عمليات قصف، يستهدف بها النظام الجماعات المتشددة، لكن الذي يدفع الثمن هم السوريون السنة، الذين يهربون الى مواقع اخرى، والى قرب الحدود مع الاردن، وفلسطين المحتلة.
دمشق الرسمية، ترفض هذا الكلام، وترد بطريقة اخرى، فتقول ان الجماعات المتشددة، هي جماعات ارهابية سنية، وتستوطن بين السوريين السنة، في مدن وقرى ومواقع مختلفة، ومن الطبيعي في هذه الحالة ان تكون فاتورة تطهير هذه المواقع، ثقيلة، وتتنزل على السوريين السنة، اولا، لكونهم في هذه المناطق التي سيطرت عليها هذه الجماعات.
لكن بعيدا عن هذا الرد، الذي قد يبدو معقولا للوهلة الاولى، الا ان ما هو اهم يتعلق بمجمل الممارسة الايرانية-السورية، من حيث تفريغ سوريا، من السنة، وترحيل الملايين منهم، بل وتصنيع بيئة طاردة لهم، ومانعة لعودتهم، عبر ما يتسرب من معلومات من اجراءات امنية سيئة بحق كثير من العائدين، اضافة الى ما خرجت به دمشق مؤخرا بحق الممتلكات التي بات اغلبها مهدوما، وبات على مالكها ان يثبت ملكيته للعقار، وهو امر صعب جدا، بسبب تلف الوثائق، او سرقتها، او حتى اختفاء الوثائق من المؤسسات المختصة، جراء ما تقوله الدولة السورية، عن عمليات نهب وحرق.
في كل الحالات، ومع الاحترام لكل مكونات السوريين، الذي لا يريد احد ان يتضرروا، مثل غيرهم، لا من باب المساواة، ولا من باب الثأر، فإن كلفة الفوضى في سوريا دفعها السوريون السنة حصرا، وسيدفعون كلفة اكبر، اذا استقرت امورالنظام، باعتبارهم لم يكونوا الى جانب النظام، اضافة الى ضعف كتلتهم السكانية، جراء تخريب وجودهم الاجتماعي والاقتصادي، وهجرة الملايين منهم، بما يؤشر على وضع اسوأ اذا توقفت الحرب السورية، لاعتبارات كثيرة.
الذي يحدث اليوم في درعا، يصب في اطار ديموغرافي جديد، فالنظام يريد التخلص من الجماعات المتشددة، لكنه في الوقت ذاته، يستغل عملياته لاعادة رسم هذه المناطق، وخلخلة تركيبتها المذهبية، عبر التسبب بطرد مئات الاف السوريين وهجرتهم الى مواقع قرب حدود الاردن، او مواقع اخرى، فوق تدمير بنيتهم الاجتماعية والاقتصادية.
الديموغرافيا الجديدة في سوريا، هي لعبة طهران والنظام السوري، من اجل تصنيع جغرافيا جديدة، ممتدة في المنطقة، وضعيفة في بنيتها على صعيد السنة، او حتى خالية من السنة كليا اذا امكن، من اجل صناعة مشرق جديد، وفقا لمواصفات جديدة، ولو كانت نية النظام وحاضنته الايرانية لا تتعمد هذا الهدف، لتعامل النظام بطريقة مختلفة مع مواطنيه السنة، وهو وضع للاسف، نراه في دول اخرى، تتبع ايران، في المنطق.
أمام هذه الحالة، فإننا امام نتيجة خطيرة، اي تهجير مزيد من السوريين الى دول الجوار، وتصنيع طوائف سورية سنية، في كل جوار سوريا، من اجل سوريا الجديدة، في نسختها المنقحة، نسخة بلا سنة، او مع سنة بلا تأثير، او قوة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى