أكتب أيها الشقي / وائل مكاحله

أكتب أيها الشقي

في صغري بدأت أكتشف العالم من حولي من خلال مجلة!!.. كانت مجلة أطفال لبنانية الإصدار تحمل اسم “سامر” توزع أسبوعيا على كل الدول العربية، ومن خلال ترددي على أحد أكشاك الكتب في بنغازي تعرفت إلى مجلات أخرى مثل “ماجد” و”سنابل” و”ميكي”، ثم تطور الأمر أكثر حتى أصبحت عاشقاً لتلك الفئة المصغرة من الكتب “روايات مصرية للجيب”، تلك الروايات التي أخذتني على جناحها لتطوف بي الدنيا في حلم جميل واهٍ يفسده ببساطة صوت أمي وهي تأمرني: “سيب القصص وأدرس”!!

كنت أرى في هذا قسوة لا مبرر لها.. من ذا الذي يترك عالم الخيال النقي هذا إلى عالم ملئ بالجذور التربيعية والتكعيبية وقصائد الشنفرى الأزدي وعلم التلقيح اللاجنسي.. ومعادلات خلط الحامض بالقلوي لإنتاج الماء؟!.. وهل يحتاج تحضير الماء إلى كل هذا التعقيد؟!.. لماذا ركبوا الصنابير في المنازل إذا؟!!

كبرت وكبرت معي كتبي.. الأشياء التي كانت بالأمس مبهرة مثيرة أصبحت مع الأيام سخيفة لا تستحق إضاعة الوقت في قراءتها، تغيرت نوعية الكتب وأشكالها وتغير العالم من حولي وتغيرت أنا، كنت أفيق كل يوم على حدث جلل لم أحسب له حسابا وسط دهشتي وذعري وخوفي من المجهول.. زغب ينمو على شفتي العليا.. صوت مخشوشن لم أعهده قبلا.. لحية بدأت تفرض وجودها على ملامح وجهي القلق!!..كنت أتغير باستمرار ومن حولي يتغير كل شيء.. العراق احتلت.. الانتفاضة أجهضها “قريع” في مباحثات أوسلو.. رؤوس الآمنين تقطع بالفؤوس في وهران.. صراعات دامية ترتفع وتيرتها يوميا بين المحجبات في جامعات اسطنبول وقوات الأمن التركية..

مقالات ذات صلة

إلا “أدرس” هذه أبت أن تتغير يوما…!!

مع الوقت لم أعد أرى في “أدرس” إلا تنكيدا لا يبغي الأهل من ورائه سوى شراء تعاسة مجانية لأولادهم.. كيف تحرم طفلك من مباراة كرة حاسمة قبل بها تحدي أترابه في الحي المجاور مغامرا بكرامته حديثة العهد؟!.. فقط ذكره في أول السنة بأن الامتحانات النهائية على الأبواب لا يفصله عنها أكثر من تسعة أشهر!!.. كيف تقنعه بأن برامج الأطفال تبث للمشردين الذين لا مدارس تؤويهم؟!.. بسيطة.. أعطه كتابا واطلب منه حفظ تواريخ هزائم العرب كي تهدم أمله في الحياة تماما، مع وعد بتسميعها بالعصا أثناء بث “توم وجيري” على التلفاز، وإذا أردت الإمعان في تعذيبه تابع أنت “توم وجيري” وأطلق لضحكاتك عنان السماء.. فيما هو يحاول فهم كيفية هزيمة جيوش أمته الموحدة على يد عصابات متفرقة وصلت إلى شواطئه حافية عارية…!!

أكثرت من علامات التعجب فسامحوني..!

فقد تعجبت يوما من إطراء أحد المثقفين وإعجابه بأول قصة قصيرة كتبتها حملت اسم “خيول جامحة”.. طلب مني يومها أن أستمر حتى أصبح متمكنا من الكتابة لما يؤهلني لكتابة رواية يوما، يومها سألته: كيف أكتب وكل ما حولي يحبطني كتيارات شد عكسي تمنع تقدم الحضارة في وسطنا الذي قتله الترهل؟!.. تكفيني دراسة سخافات لن تقدم للعلم شيئا إن لم تهدمه تماما..

يومها قال لي: أكتب حتى تنفس عن وجعك..

فمالي كلما كتبت غار جرح القلب أكثر؟!!
_________________________

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى