مركزية التشريع / د. هاشم غرايبه

مركزية التشريع

الشريعة لغة هي سيل الماء الذي يستقى منه، وتطلق أيضا على الطريقة أو النهج، واصطلاحا هي جملة الأحكام والأوامر والنواهي التي شرعها الله عز وجل على عباده المؤمنين، ليقدم لهم في ذلك منهجاً مسعداً لكل مناحي حياتهم.
تندرج هذه الأحكام ضمن خمسة أبواب هي: الواجب، والمستحب، والمباح، والمكروه، والمحرم، وجميعها صادرة عن الله تعالى لأنه الأعلم بطبيعة البشر وما يصلحهم وما يفسدهم، وليست خاضعة لتقدير البشر.
إذا فمن أوليات الإيمان الإعتقاد أن المشرع هو الله وحده، لأن الحكم له وحده، لقوله تعالى: “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ “[يوسف:40].
فكيف نوفق بين هذا المبدأ، وقولنا إن مصادر التشريع الكتاب والسنة؟.
يأتي الخلط من عدم الفهم عند البعض لمبادئ الشريعة أو عدم التمييز بين الأحكام الأساسية وبين التفصيلات، أو بين الأصول والفرعيات.
هذا القصور في الفهم أو الخلط في المفاهيم، أدى بالبعض الى الإعتقاد بأن هنالك مصدرين للتشريع، والقول بأن لدينا مشرعين اثنين هما: الله تعالى ورسوله الكريم، وهذا شرك وظلم عظيم، لأن المشرع هو الله وحده:”مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا” ( الكهف:26).
إذاً ما الدافع الذي أدى بالبعض الى القول أن هنالك وحيان: وحي بالكتاب ووحي مختلف بالسنة، بل ومبالغة البعض في تغليبهم وحي السنة، وتقديمه على القرآن؟.
ليس الدافع محبة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي رغم أنها متطلب إيماني، إلا أنها بعض من محبة الله وأحد وجوه طاعته، بل هو الهوى والإربة الذي نشأ مع نشوء الفرق والجماعات المتصارعة على تفسير الأحكام وفق مبتغاها وبما يدعم شرعيتها.
فالذين تشيعوا الى علي كرم الله وجهه ونسله ، كانت دوافعهم سياسية بهدف الإستحواذ على السلطة، لكنهم لشرعنة الإفتراق المذموم شرعا، إدعوا أن خلافهم مع منافسيهم فقهي عقدي، وإنهم إنما يسعون إلى إصلاح الأمة من بعد انحراف، فكان مبدؤهم منصبا على أن السلطة يجب أن تكون حكرا على نسل الحسين الذين سموهم السادة وألبسوهم عمامة سوداء لتمييزهم، وأن الفقه وعلوم الدين مقصورة على الأئمة من نسل الحسن وسموهم الأشراف، ويتميزون بعمامات بيضاء.
بالطبع لا يمكن أن يجدوا سندا واحداً لزعمهم هذا في نصوص التشريع الواردة في القرآن الكريم، فذهبوا الى الأحاديث والروايات والتي يمكن إدخال ما يشاءون من خلال تلبيس العلاقة الإنسانية الطبيعية بين الجد (صلى الله عليه وسلم) والسبطين الحبيبين الى قلبه(الحسن والحسين)، تلبيسها بالشرعية الدينية.
من ناحية أخرى، كان المتشددون والمغالون والمتعصبون، يحاولون تجيير الأحكام الشرعية وفق أهواههم، وبما يتوائم مع أمراضهم النفسية، فلا تعجبهم بعض الأحكام القرآنية التي يرونها متساهلة، فيبحثون أيضا في الأحداث المروية عن تطبيقات تشريعية نسبت الى عصر النبوة، والتي لا تخضع للتحقيق العلمي أو المنطقي، بل اعتمادها الأساس على الثقة بصدق الراوي، ويحيلونها تشريعا قاطعا، وإن خالفت نص التشريع القرآني يقدمونها عليه بحجة أنها ناسخة له.
أوضح مثال على ذلك، قضية حد الزنا، فهي الجلد بنص قاطع في الآية الثانية من سورة النور، لكنهم يعطلونه بحديث نبوي عن الإعدام بالرجم.
هنا ندخل الى فهم مسألة دور السنة في التشريع، فهي ليست مُنشئة، بل مفسرة ومفصلة لما ورد في القرآن، لا تزيد عليه ولا تنقص، بمعنى أن الرسول يبلغ الأحكام الواردة في القرآن كما وردت، ولترسيخها في أفهام الناس يطبقها أمامهم كما أفهمه إياها الوحي، والذي لا يأتي بتشريع آخر جديد يسمى السنة بل فهم للتشريع ذاته الذي جاء به القرآن.
بناء على ذلك لا يمكن أن يكون صحيحا أي حديث ينقض أو يبدل في حكم جاء في القرآن.
وذريعة هؤلاء بأن الصلاة لم ترد في القرآن بل جاءت بها السنة متهافتة، فالصلاة ركن أساسي وردت بنصوص قرآنية صريحة، لكن بيان أدائها يجب أن يكون تطبيقا عمليا، لذلك علّمها الله لنبيه، وأوكل إليه تبيانها، وكذلك مع مختلف تفصيلات الأحكام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى