
#سواليف
كشفت تقارير وتحليلات عسكرية حديثة عن ضغوط متزايدة تواجه البحرية الأميركية في الحفاظ على جاهزية أسطول حاملات الطائرات، في وقت تتزامن فيه العمليات العسكرية الممتدة في الشرق الأوسط مع ارتفاع احتياجات الانتشار والصيانة.
وبحسب مجلة Point، فإن 4 حاملات فقط من أصل 11 حاملة طائرات أميركية يمكن اعتبارها متاحة فعليًا للعمليات العسكرية في الوقت الراهن، بينما تخضع بقية الحاملات للصيانة أو تنتظر دورها ضمن قوائم الإصلاح، ما يعني أن جزءًا كبيرًا من القوة البحرية الضاربة لا يمكن الدفع به فورًا إلى مناطق العمليات.
وتأتي هذه المعطيات في وقت تؤكد فيه تقارير أخرى أن البحرية الأميركية تعاني بالفعل من ضغوط مرتبطة بجدولة الصيانة وتوزيع الحاملات بين مناطق استراتيجية متعددة. وأشارت تحليلات عسكرية إلى أن نحو نصف الحاملات الأميركية فقط يكون منتشرًا في الخارج في أي وقت، بينما تكون بقية السفن في الموانئ أو ضمن أعمال الصيانة والتجهيز.
حرب طويلة تضغط على الأسطول
ويعود جزء من المشكلة، وفق القراءة التي أوردتها المجلة، إلى تزايد المهام الملقاة على عاتق البحرية الأميركية خلال السنوات الأخيرة، مقابل صعوبة توفير الموارد البشرية والمادية اللازمة للحفاظ على وتيرة الانتشار الحالية.
ومع استمرار العمليات العسكرية لفترات أطول من المخطط لها، تضطر بعض الحاملات إلى البقاء في مناطق العمليات لمدد تتجاوز جداول الانتشار التقليدية، الأمر الذي ينعكس على أطقم السفن وعلى مواعيد الصيانة والتناوب.
وتظهر هذه الضغوط بصورة واضحة في حالة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»، التي أمضت أكثر من 250 يومًا في البحر خلال انتشارها الأخير، في واحدة من أطول فترات الخدمة المتواصلة لحاملة أميركية حديثة.
وكان من المقرر أن ينتهي انتشار «لينكولن» في مايو/أيار، إلا أن المهمة امتدت مع استمرار العمليات الأميركية في الشرق الأوسط، ما أثار انتقادات من عائلات أفراد الطاقم وأعضاء في الكونغرس بشأن ظروف الخدمة والإجهاد النفسي.
«جورج واشنطن» تصل إلى الشرق الأوسط
وفي 20 أغسطس/آب، دخلت حاملة الطائرات الأميركية «جورج واشنطن» ومجموعتها الضاربة منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية في الشرق الأوسط، في عملية تناوب مع «أبراهام لينكولن».
وأكدت القيادة المركزية الأميركية أن مجموعة «جورج واشنطن» تعمل في الشرق الأوسط ضمن انتشار مقرر، فيما أظهرت المعلومات العسكرية وصول الحاملة إلى منطقة مسؤولية القيادة المركزية في 19 أغسطس.
ويأتي هذا التناوب بعد انتشار طويل لـ«أبراهام لينكولن»، التي كانت جزءًا أساسيًا من العمليات الأميركية المرتبطة بالحرب مع إيران.
وتكشف عملية الاستبدال في الوقت نفسه حجم التحدي الذي تواجهه البحرية: الحفاظ على وجود حاملة طائرات في منطقة عمليات ساخنة، من دون إبقاء السفن نفسها في البحر إلى أجل غير محدد.
ظروف صعبة على متن «أبراهام لينكولن»
وتزامن الجدل حول جاهزية الحاملات مع تقارير عن ظروف معيشية صعبة على متن «أبراهام لينكولن» خلال انتشارها الطويل.
وتحدثت تقارير إعلامية عن نقص في بعض المواد الغذائية، ومشكلات في المياه والسباكة، وظهور العفن في بعض مناطق الاستحمام، إضافة إلى أعطال في مرافق الغسيل والحمامات.
كما تحدثت Military Times عن محاولات عدة من أفراد الطاقم للقفز إلى البحر خلال فترة الانتشار الطويلة، فيما لم تكشف البحرية عن عدد محدد لهذه الحوادث، مؤكدة في المقابل أنها تتابع الجاهزية النفسية للبحارة وتوفر لهم مستشارين وأطباء ورجال دين وخدمات دعم.
وأثارت التقارير مخاوف بشأن التأثير النفسي للانتشار الطويل، خصوصًا مع محدودية فترات الراحة والزيارات إلى الموانئ.
القيادة العسكرية تدافع عن الطاقم
في المقابل، رفض مسؤولون عسكريون تصوير الوضع على أنه انهيار في أداء الحاملة أو طاقمها.
وأشاد قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، بطاقم «أبراهام لينكولن»، ووصف أداءه بأنه دليل على قدرة البحارة ومشاة البحرية على العمل تحت ضغط استثنائي.
وقال كوبر إن الحاملة سجلت، وفق تقييمات القيادة، أقل عدد من حالات الصحة النفسية بين الحاملات الأميركية الـ11 العاملة، مؤكدًا أن القيادة تركز على دعم أفراد الطاقم والحفاظ على جاهزيتهم.
كما قلل وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث من بعض التقارير المتعلقة بظروف الحاملة، معتبرًا أن الصورة التي تقدمها بعض وسائل الإعلام لا تعكس الواقع الكامل.
مشكلة الصيانة أكبر من حاملة واحدة
ولا تتوقف القضية عند «أبراهام لينكولن»، إذ تشير البيانات والتحليلات إلى مشكلة أوسع تتعلق بأسطول الحاملات الأميركية.
فالحاملة النووية ليست مجرد سفينة يمكن إخراجها من الميناء وإرسالها إلى منطقة عمليات جديدة، بل تحتاج إلى عمليات صيانة دورية ومعقدة، تشمل أنظمة الدفع والطيران والتسليح والإلكترونيات والبنية الداخلية.
ومع تقدم عمر عدد من الحاملات الحالية، يمكن أن تستغرق عمليات الصيانة فترات طويلة، في وقت تعاني فيه الولايات المتحدة من محدودية أحواض بناء السفن القادرة على تنفيذ أعمال الإصلاح والتحديث الثقيلة.
وهذا يعني أن زيادة عدد المهام والانتشارات لا تؤدي بالضرورة إلى زيادة القوة المتاحة في البحر، بل قد تؤدي على المدى الطويل إلى تراكم أعمال الصيانة وتأخير عودة السفن إلى الخدمة.
انتقال «جورج واشنطن» يكشف معضلة أخرى
ويحمل إرسال «جورج واشنطن» من منطقة المحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط تداعيات استراتيجية أخرى.
فالحاملة كانت مرتبطة بالانتشار الأميركي في منطقة المحيط الهادئ، ونقلها إلى الشرق الأوسط يخفف مؤقتًا من الوجود الأميركي بحاملة طائرات في منطقة تشهد تنافسًا متصاعدًا مع الصين.
وأشارت وكالة «أسوشيتد برس» إلى أن إعادة توجيه «جورج واشنطن» إلى الشرق الأوسط تترك منطقة غرب المحيط الهادئ مؤقتًا من دون حاملة طائرات أميركية، وهو ما يثير تساؤلات لدى بعض حلفاء واشنطن حول قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على وجود متوازن في أكثر من مسرح عمليات في الوقت نفسه.
وهنا تظهر واحدة من أصعب معضلات البحرية الأميركية: كل حاملة يتم إرسالها إلى منطقة عمليات تحتاج إلى حاملة أخرى لتأمين التناوب، بينما يؤدي استمرار المهام في أكثر من منطقة إلى استنزاف الأسطول بوتيرة أسرع.
هل يعني ذلك انهيار قوة حاملات الطائرات؟
ورغم هذه الضغوط، لا تعني الأرقام أن البحرية الأميركية فقدت قدرتها على تنفيذ عمليات بعيدة المدى.
فحاملات الطائرات الأميركية تظل من أكثر المنصات العسكرية قدرة على توفير قوة جوية متحركة، وتعمل ضمن مجموعات ضاربة تضم مدمرات وسفن دعم وطائرات مقاتلة واستطلاع ومروحيات.
لكن المشكلة تكمن في الجاهزية المتاحة في لحظة محددة، وليس في العدد الإجمالي للحاملات.
فامتلاك 11 حاملة لا يعني أن الحاملات الـ11 يمكنها الإبحار والقتال في الوقت نفسه. بعضها يكون في انتشار، وبعضها في التدريب، وبعضها في الصيانة الدورية أو الإصلاحات الكبرى.
وهذا يجعل نسبة الحاملات المتاحة فعليًا عاملًا حاسمًا في قدرة واشنطن على خوض عمليات متزامنة في الشرق الأوسط والمحيطين الهادئ والأطلسي.
حرب إيران تختبر قدرة واشنطن على التحمل
وتأتي هذه الضغوط في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للولايات المتحدة، مع استمرار العمليات المرتبطة بالحرب مع إيران.
وبحسب تقارير حديثة، نفذت «أبراهام لينكولن» آلاف الطلعات خلال انتشارها الطويل، فيما أصبحت المحافظة على وجود بحري أميركي مستمر في المنطقة جزءًا أساسيًا من استراتيجية واشنطن.
لكن استمرار العمليات لفترة أطول يفرض ثمنًا بشريًا ولوجستيًا متزايدًا، ويجعل مسألة التناوب بين السفن والأطقم أكثر تعقيدًا.
وتكشف قصة «أبراهام لينكولن» أن التحدي لا يتعلق فقط بعدد الصواريخ والطائرات والسفن، وإنما بقدرة المؤسسة العسكرية على إدامة العمليات من دون استنزاف أطقمها أو تأخير صيانة معداتها.
أزمة الجاهزية في مواجهة تعدد الجبهات
وتضع هذه التطورات واشنطن أمام سؤال استراتيجي أكبر: كيف يمكن للبحرية الأميركية الحفاظ على حضور عسكري قوي في الشرق الأوسط، مع عدم التخلي عن التزاماتها في المحيط الهادئ وأوروبا ومناطق أخرى؟
فكلما طال أمد العمليات، زادت الحاجة إلى تدوير الحاملات والسفن المرافقة، بينما تتطلب السفن التي تعود من الانتشار فترات صيانة وإعادة تأهيل قبل أن تصبح جاهزة لمهمة جديدة.
وبالتالي، فإن مشكلة حاملات الطائرات الأميركية ليست ببساطة نقصًا في العدد، بل فجوة بين حجم الالتزامات العسكرية وسرعة قدرة الأسطول على التناوب والصيانة وإعادة بناء الجاهزية.
وفي الوقت الذي وصلت فيه «جورج واشنطن» إلى الشرق الأوسط لتحل محل «أبراهام لينكولن»، تبدو البحرية الأميركية أمام اختبار مزدوج: الحفاظ على قدرتها على خوض حرب طويلة، وعدم السماح لهذه الحرب بأن تستنزف قدرتها على التعامل مع أزمات أخرى محتملة حول العالم.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الحرب الحديثة لا تختبر قوة السلاح فقط، بل تختبر أيضًا قدرة الدولة على إبقاء سلاحها جاهزًا للقتال شهرًا بعد شهر، وسنة بعد سنة. وفي حالة البحرية الأميركية، قد يكون هذا الاختبار هو الأصعب منذ سنوات.

