
مثقف!
عدي هنداوي
من هو المثقف؟ ومن ينطبق عليه هذا الوصف؟ أسئلة راودتني وأنا بصحبة العائلة نتجول في معرض عمّان الدولي للكتاب، في قاعة المركز الأردني للمعارض الدولية.
سعدت جدًا وأنا أشاهد المكان مزدحمًا، بعكس توقعاتي. صحيح أنني، وأنا أقلّب عناوين الكتب في إحدى دور النشر، كنت أسمع حوارات غريبة، مثل: «شعرك كتير حلو، وين عاملتيه؟»، وحوارًا آخر: «من الآخر، قديش تبيعني الكتاب لو أخذت من عندك كتابين؟»
زوجتي اشترت كتاب «قواعد العشق الأربعين» (يا ساتر!)، وابني الأكبر، المراهق، طلب كتبًا في التنمية البشرية: كتابًا عنوانه «العادات الذرية»، وكتابًا ثانيًا عنوانه «محاط بالأغبياء» (ما عرفت شو قصده، بس مشيتها!). أما الأصغر، آخر العنقود، فاكتفى بقصص باللغة الإنجليزية، من مستوى متقدم، تحت ضغط من أمه ،(هو بحب الكرة، بس شاف حبل غسيل بآخر مباراة، ما شاف طابة!)
محسوبكم اشترى كتابين: أحدهما عن «الحركة الصهيونية ونكبة العرب القائمة»، والآخر بعنوان «كم حياة ستعيش»، بتوقيع المؤلف مشكورًا.
عدت إلى المنزل، وأنا ما زلت أفكر في جواب شافٍ عن سؤالي: هل يجعلنا ما في أكياسنا مثقفين؟ أم أن الثقافة شيء آخر لا يُباع في معرض؟ ويزداد هذا السؤال إلحاحًا، خصوصًا أننا نعيش فترة يكثر فيها إطلاق لقبَي المثقف والخبير، حتى بات لدينا بعض «قليلي الدسم» في الثقافة والخبرة.
بعد البحث والتفكير، كانت أقرب إجابة شافية وجدتها في حوار مع شخصية إعلامية عربية، مفادها أن المثقف هو الشخص الذي يعظّم الإيجابيات ويضيّق نطاق السلبيات، وهو الشخص الذي يسهم في إخراج المجتمع من الجهل والتعصب والتخلف.
المثقف ليس كلَّ شخصٍ مكتظًا بكمّ معرفي يردده في كل حوار، مكتفيًا بالهدم بدلًا من البناء.
المثقف هو من يتجاوز حقل الاختصاص طلبًا للمزيد؛ فلا يوصف به كل حاصل على درجة علمية عليا في اختصاصه.
المثقف ليس من يملك المعرفة فقط، بل من يحوّل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى موقف، والموقف إلى أثر.
لم يخطئ العرب حين قالوا قديمًا: الرمح المستقيم هو رمح مثقّف!

