مرسم العامريين محمد وجهاد / عباس يوسف

مرسم العامريين محمد وجهاد

ذات شتوية من العام 1994 تلقينا دعوة عن طريق جمعية البحرين للفنون التشكيلية من الفنان التشكيلي الأردني الراحل توفيق السيد 1939- 1996 لحضور ندوة عن النقد والفن في العالم العربي دعي لها الكثير من الكتاب والفنانين العرب، شاءت الظروف أن يعتذر الجميع عدا الفنانين عبد الكريم العريض والمرحوم أحمد باقر وعبد الجبار الغضبان وعباس يوسف من البحرين والفنان حسين عبيد من سلطنة عمان، لظرف ما لم يتحقق عقد هذه الندوة، هذه كانت سانحة طيبة تعرفنا من خلالها إلى الفنان والشاعر الصديق محمد العامري نتج عن هذه العلاقة الطيبة إقامة معرض في جاليري الفينيق ثنائي في فن الجرافيك للفنانين عبد الجبار الغضبان وعباس يوسف في صيف عام 1995 والذي أفتتحه المدعوون لمهرجان جرش للثقافة والفنون يتقدمهم الشعراء عبد الوهاب البياتي ومحمود درويش وعباس بيضون وحمده خميس وعلوي الهامشي وجوليت وجميل عواد وآخرون لا تحضرني أسماءهم.
قبل 15 عام خابرني الصديق العامري محمد فرحا يقول: عباس صار لدينا مرسم كبير يمكنك المجيء إلى الأردن وقتما تشاء وترسم وتفعل ما تحب.. فضاؤه كله وكل ما فيه لك. كانت دعوة أكثر من كريمة تحمل بعدا وحسا إنسانيا عاليا مازلت أجله حتى هذه اللحظات.
تشاء الظروف ولمناسبة فنية أيضا أزور عمّان التي أحب، يصطحبني العامري محمد بسيارته تجاه المرسم الذي يقع في منطقة خلدا والتي تمتد جغرافيا إلى الجامعة الأردنية ابتداءا من شارع الجاردنز أو وصفي التل. هناك كان في انتظارنا الصديق الفنان جهاد العامري الذي ما أن رآني فزّ من مكانه وراح يصرخ عباس أيها الوهم الجميل وصلت.. قلت أنا في حضرة الوهم كلّه، ولا أجمل من هذا الوهم اللذيذ. في مرسمكم هذا الكبيرالذي يكبر بكثير حجم مساحته الفعلية التي تبلغ 110 مترا مربعا. مرسم يعج بفوضاه الخلاقة لا شي يشبه شيئا فيه، دخان السجائرالمتطاير اختلط بالضوء فصار يشبه غيم الصيف الرمادي الذي تشبعت منه جدران المرسم، كل الروائح تختلط وهي بحاجة إلى امرء حاذق قادر على الفرز والتمييز وإلاّ كيف له أن يميز رائحة اللون والدخان والزيت ورائحة الورق وما أبقاه الله من بقايا سهرات تمتد للفجر وتتعاده قليلا.. مرسم فوضاه المألوفة جدا للعامريين محمد وجهاد جمال مفتوح على المدى.. مدى التجريب المستمر رسما وعلى الكتابة الشاطحة ليلا ونهارا.. مرسم هدوئه مستل مما هو منبثق من إضاءات في لوحات محمد وجهاد، مرسم روائح عنبره ما يتركه الأصدقاء من وقع الزيارة وأثر النفس وكأن أنفاسهم بهجة تطيل من لياليه. مرسم ليس بمقدور أي أحد من الفنانين أن يألف العمل فيه وكأنه أحجية لا يعرف فك مفرداتها إلاّ الاثنان محمد وجهاد. مرسم يرفض الضجر ولا مكان للأففة فيه وهومسيج بضحكات محمد الحاضة على التمرد نحو كل ما هو إبداع وجميل. مرسم كلما التفت يمنة أو شمالا أو يممت وجهي مباشرة صوب مكان الرسم قال لي محمد لا تتمعن كثيرا يا صديقي عباس، هذا ليس مشغلا للجرافيك، أنتم معشر الحفارين لا تروق لكم هذه الأوضاع ولا تروق لكم هكذا أماكن.. أنتم مشروع نظافة ورتابة ونظام صارم، دع عنك نظرات التمعن والمراقبة، هذا مرسم للرسم والشطح والكتابة يألفنا ويحتضن جنوننا وخروجنا من وعلى التابو. وضحك وضحكنا معا.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى