
لحظة لا بدّ من ورودها
المواجهات الدامية مع جنود الاحتلال في أوجها، والشهداء يتساقطون على مدار الساعة كأزهار الربيع المنزوعة قبل أوانها. وفي غمرة هذا الاضطراب، كان المتنزّه الطبيعيّ في المدينة يفتح أبوابه على مصراعيها لهادئي البال، الهاربين من كآبة الأحداث الدامية نحو متنفّسٍ عليلٍ ظليل. وحول إحدى طاولات القش الطويلة، تجمعت عائلة صغيرة تجهّز معداتها وأغراضها من الفحم وشرائح اللحم لشواءٍ لذيذ.
بدت العائلة على أتمّ انسجامٍ لولا تلك الابنة المراهقة، ذات الجبين المعقود، التي تلفّ رقبتها بحطة فلسطينية، وتشبكُ ذراعيها فوق صدرها وترخي ساقاً فوق الأخرى معطيةً ظهرها للعائلة، لتبدو بينهم كأيلٍ جُرّ من قرونه إلى هذا المتنزه رغماً عن أنفه.
كان في جوار العائلة أطفالٌ يرتدون زياً موحداً يحملُ شعاراً لإحدى جمعيات الأيتام، يمرحون ويتبادلون الأماكن على المراجيح القريبة.
انتبهت الفتاة المراهقة إلى طفلة، من أطفال جمعية الأيتام، تراقبها وعائلتها بفضولٍ شديدٍ وعيونٍ جائعة إلى مثل هذه الجَمعة. فقامت من مقعدها، وانحنت على مرأىً من عائلتها باتجاه الطفلة تقول لها، بكل ما للمراهقين من جرأة صوت وقلة اكتراث: لا تبتأسي أبداً، ففي لحظةٍ لا بُدّ من ورودها في حياة كل إنسان، يتمنى المرء من أصدق بقعة في قلبه لو أنه كان يتيماً.

