
إشراقة …من بستان الشهداء
شرقتُ بدمعي و انا أستمع في الإذاعة للسيد طه والد الشهيدة (أشرقت قطناني) – رحمها الله تعالى- ؛والتي استشهدت دهسا بسيارة مستوطن حاقد ؛ وبرصاص الجنود الصهاينة ؛ بعد محاولة عملية طعن قامت بها الفتاة ذات الستة عشر ربيعا في الثاني والعشرين من نوفمبر الماضي ..والتي لا زال الاحتلال الغاصب يحتجز جثمانها الطاهر ويرفض تسليمها لذويها لدفنها كحق لأي انسان ؛ ويعرض على أهلها تسليمها وِفْق شروط مذلة ..وهي أن تسلم جثتها ليلا ..وتدفن مباشرة ..وبعدد محدود وقليل جداً من المشيعين …!!.
(أشرقت) -رحمها الله تعالى وتقبلها وكل الشهدا-.هي واحدة من ست وخمسين شهيدا من شهداء انتفاضة القدس الذين روّوْا بدمائهم الزكية ثرى فاسطين الحبيبة ؛في انتفاضة القدس المباركة التي قامت في الأول من أكتوبر الماضي ؛سلطات الاحتلال الغاصب تضع جثامينهم الطاهرة في (مقابر الأرقام) كما يطلقون عليها..!!! وهي مقابر…أجساد الشهداء فيها قد تكون في تربةأو لا زالت في الثلاجات ؛ لكل شهيد رقم ؛فهم لا يسمونهم ؛ويكفيهم عزا وفخرا أن الله تعالى يعرفهم !! وترفض السلطات الظالمة أن يطّلع على هذه المقابر أحد ؛ سواء من المحامين أو منظمات حقوق الإنسان ؛أو حتى ذوي الشهداء…!!! وأتساءل هنا ..وسؤالي لهيئة الأمم المتحدة ..والمنظمات العالمية التي تعنى بحقوق الإنسان ..ول (بوتين) ..و(أوباما ) …هل يُعدّ احتجاز جثامين الشهداء ..أو قتلى الحرب –كما تسمونهم- في معاهدة جنيف وتأخير دفنهم ومنع تسليمهم لذويهم(وهذه أدنى درجات الحفاظ على الكرامة الإنسانية) ..أتساءل: هل تعدون هذا إرهاباً تقوم به دولة الكيان الغاصب أم لا ؟؟!! جوابكم سيحكيه لسان حالكم ..لا مقالكم …”قطعاً…لا ” !!! (فإسرائيل) ليست دولة إرهابية؛ وكل ما تقوم به من أفعال ودمار وقتل وتنكيل بالشعب الفلسطيني المجاهد :إنما يدخل في نطاق “الدفاع عن النفس ضد الإرهاب الفلسطيني…..!!!!” تباً لك من عالَمٍ ظالم …
أما عن موقف السلطة الوطنية الفلسطينية تجاه هذه القضية الإنسانية ؛..فحدّث ولا حرج …!!إنها مشغولة بأمور عظام وأكثر أهمية من المطالبة بجثامين الشهداء وتسليمهم لذويهم لإكرامهم بدفن لائق بشهيد ؛ إنها مشغولة بكيفية تجديد ..وإحياء المفاوضات مع العدو الغاصب ..!!!!
في حديثه عن ابنته الشهيدة (أشرقت قطناني-رحمها الله تعالى وكل الشهداء – يقول السيد طه : ” لقد كانت أشرقت فتاة ذكية ؛محبوبةممن حولها ؛مُحبةٌ للحياة ،ممفعمة بالحيوية؛ تعشق القدس عشقاً…!!وكانت تتابع أحداث انتفاضة القدس بشغف ..وتحزن لما يجري من ظلم ؛وكل يوم لها نشاط على الإذاعة المدرسية ..حول القدس التي طالما عشقتها .. وعن الوطن والشهادة والشهداء…)…ويضيف والدها أنها قبل استشهادها بأيام قليلة ؛كانت تسأله عن أفضل سكين عندهم في المطبخ ؛ وكثيرا ما كانت تردد عبارة(القدس عروس عروبتكم …!!!) –وهي عنوان لقصيدة للشاعر العراقي مظفر النواب – وقال لقد كتبت هذه الجملة على كراستها ؛وخططتها على الكرتون بخط كبير ؛ووضعتها في صالة البيت؛ وعلى باب غرفتها ؛وفي غرفة صفها في المدرسة ….!!
(أشرقت )الطفلة ..قدّمت لهذه العروس روحها الطاهرة ..هدية لأطهر عروس في الدنيا …العروس التي استحال ثوب زفافها الأبيض الجميل ؛إلى ثوبٍ مخضّبٍ بدماء الشهداء الزكية التي سُكبت رخيصة ً ..وقُدّمت مهراً للعروس …!!!
وأين العروبة من القدس يا (أشرقت )؟؟؟!!! العروبة الآن ..مسلوبة الإرادة ؛مقيدة اليدين ؛ملطومة الخدين ، مشغولةٌ (عروبتنا) هنا وهناك بالحرب على الإرهاب … !!! (عروبتنا) يا أشرقت مقطعة الأشلاء والأوصال ؛في سوريا ؛والعراق ..واليمن ..ومصر ..وليبيا ..وفلسطين..(عروبتنا) تنزف أطرافها الدامية ليلَ..نهار…لا تفتر !! وكأنّ دماء بني يعرب شلال دمٍ هادر لا ينضب .ولا ينتهي …يتجدد يوماً بعد يوم !!
وأضاف والد الشهيدة (أشرقت) –رحمها الله- أنها أوصته ذات يوم ؛ وقالت له (لو استشهدتُ يوماً ما يا أبي …لا تساوم ..إن احتجز الصهاينة جسدي بعد شهادتي ..لا تساوم وتقبل تسليم جثماني تحت جنح الظلام …وإن أمْلَوْا عليك شروطهم …لا تساوم ..ولا تقبل ..!!!! )…وقد تعجّب والدها من قولها؛وأضاف أنه كان يستبعد أن تقوم ابنته بعملية …وتستشهد …
رحمها الله ..لقد أحبها الله تعالى ..واتخذها عنده في قائمة الشهداء المشرّفة ..ويؤكد الاب المحب لابنته الصابر المحتسب كلام الشهيدة … ..وعلى الهواء ..قائلاً :”والله لو بقي جثمان ( أشرقت) لدى الاحتلال مائة عام ؛وليس شهرين …على أن يسلّموه وِفق تلك الشروط المهينة …ما قبِلْت !!!”
لا بأس يا (أشرقت ) ..ويا كل الشهداء الأبرار الأطهار… عروس عروبتنا لا زالت في انتظار حفل زفافٍ يليق بعروسٍ فاتنةٍ ..آسِرة ..كريمة ..مقدّسة …(كالقدس )…فهي عروس ؛لكنّها ليست كأيّ عروس ..!!!
فانتظري يا قدس ..فالعرس قريبٌ باذن الله ..وهو قادمٌ لا محالة ..ويا له من حفل !! إنه حفلٌ سماويّ المكانة …ملائكيّ الطُّهر…حفلٌ يليق بأرض الإسراء والمعراج.. حفلٌ يليق بالأرض المقدسة المباركة …(ويقولون متى هو…قل عسى أن يكون قريباً ) .

