
ذكريات معلمة : في عمراوة
انطلق ” باص ” السابعة كعادته من مجمع عمان، متهاديا حينا ، هادرا أحيانا ، ركابه موزعون من قرى إربدية ” مسخمة ” في خاطر كل منهم حكاية …
منهم من نال وظيفته بعد طول انتظار .. حتى شاب وشابت معه حبيبة طفولته وهي في انتظار ….
ومنهم ذو عائلة ، ضاقت به السبل ، عياله جوعى ، يقتاتون على فيض الكريم ..
ومن ضمنهم المعلمة نعمة ، غارقة في خواطرها ، تاركة خلفها كومة لحم ، سائرة على خطى أقدارها ، فلا طول الطريق يغفر لها ، ولا بعد المكان لها شفيع !!
يتوغل الباص عميقا ، يخرج من صخب المدينة ، وزحمة السيارات ، تستلمه قرى إريد ، وتسلمه بعد طريق طويل ومتعرج …..إلى قرية الشجرة ..
تطل القرية بوجهها الصبوح ، ترخي جديلتان على كتفي الوادي ، تعكس أشعة الصباح ، كسنابل الصيف اللامعة.
يتنفس الركاب ، ويتململون ، ويبدأوون بالنزول ، تاركين وراءهم أفكارهم المبثوثة ، وأنفاسهم المحتبسة ، فاليوم طويل ، حافل بالعمل ، مخبأ بالأسرار …
ببقى آخرون في انتظار ، ريثما يصل إلى محطته قبل الأخيرة ،في أقصى الشمال وأقصى الغرب من الرمثا ، تقع قرية عمراوة …
جمال اسمها في حسن لفظها كسر العين ، وسكون الميم ،قرية ساحرة ، تتربع على سهل منبسط من حوران ، تقسم الطريق البلدة قسمين ، على جنباتها حدائق غناء ، ومنازل غاية في البساطة والذوق ، ونسائم نقية لم تبح بسرها بعد ، واناس ارتسمت البساطة في وجوههم ، والتمعت الطيبة في عيونهم ، كبساطة أرضها ، وطيب نسائمها …
أهل عمراوة ليسوا كغيرهم ، لم تلوثهم تعقيدات هذا الزمان ، ولم تأت على خصالهم الحميدة ، يكرمون الضيف كأنه منهم ويشركونه خيرات أرضهم وثمارها .يترجمون المقولة : حللت أهلا ووطئت سهلا ..
مدرستها شرقيها ، تتاخم حدود سوريا ، تطالعك درعا وقراها الفاتنة …
أجمل ما في مدرستها الأذنة أم أحمد ، وإبريق الشاي المعتق برائحة الزعتر ، وابتسامتها التي تتحدى بها قسوة السنين ، وذلك الأجتماع العائلي صباحا ..نشرة أخبار الصباح ..وحواديث القرية العذبة ….
في حديقة المدرسة ، أزهار من كل لون وثمة قيسوم وزعتر ، وفي المقابل طالبات كزهورها بهاء وعطرا …في ذكاء فطري ، وأدب وبساطة من نوع فريد ..
ليس في عمراوة ما ينغص سوى طول الرحلة إليها ، مع أن الأهل يحيطون ضيوفهم بحفاوة تغنيه عن أهله ، حتى يتمنى أن يكون واحدا منهم ،..
مشيئة القدر ..كل طير غريب لا محالة سيعود آخر النهار إلى سربه ، حاملا معه قوت يومه ، مضفيا جناحيه على أهله ، تاركا وراءه أجمل الذكرى ، تحية إلى أهل عمراوة ، وإلى جمالها الذي لن تمسه السنون ولن تأت عليه نوائب الدهر بعون الله العلي القدير ..
