الإنسان اللاحم / يوسف غيشان

الإنسان اللاحم

لم تعد صفحات الأبراج ولا أجهزة المخابرات هي الوسائل الوحيدة للاطلاع على مكنونات النفس البشرية، بل انضم إليهم الطباخون والجزارون واصحاب محلات الخضار والمولات العملاقة ؛ إذ يدّعي علماء يابانيون ، في دراسة مطولة صدرت حديثا،بأن نوعية الطعام الذي يتناوله الفرد يحدد نفسيته وسلوكياته الفردية والجماعية.
…هكذا لم يعد الإنسان بحاجة إلى تحمل تبعات التجربة والخطأ في اختيار الأصدقاء ، إذ بعد هذا التقرير يصبح شعار : “قل لي ماذا تأكل ،أقول لك من أنت”
هو الموضة لفهم الإنسان –عالحارك- ، دون انتظار لتجريبهم والتعامل معهم فترة طويلة. كما أن الراغبين في الزواج من بنات الحلال ما عليهم سوى إيقاف الفتيات في الشوارع وسؤالهن عن طعامهن المفضل والمكروه لمعرفة مدى صلاحيتهن للزواج حسب المزاج ، أما الخجولون وضعاف الشخصية والأتقياء فما عليهم سوى التسكع حول المطاعم أو قرب البقالات والمسالخ وأماكن بيع اللحوم والدواجن.
علينا أن نحذر منذ اليوم من أصحاب البقالات والملاحم في الحي ، إذ يستطيعون تقديم تقارير مفصلة حول نفسية الزبون عن طريق البوح بقائمة مشترياته للأجهزة المعنية وغير المعنية . الطريقة الوحيدة لحفاظ الإنسان على خصوصيته ومكنوناته وأيديولوجيته هي بشراء السبانخ إذا رغبنا بالبطاطا ، وشراء الدجاج حينما نريد بصلا، والشاورما حينما نرغب بالفلافل ، والشباشب حينما نرغب بالكفتة… لأنك إذا لم تفعل ذلك، تصير روحك كتابا مفتوحا أمام الشايح والرايح، واللي بسوى واللي ما بسوى.
يقول التقرير الياباني ؛ بأن الذين يحبون اللحوم بصورة كبيرة يتمتعون بطبع القادة، ديناميّون ،يملكون حس المبادرة واجتماعيون بإمتياز واصحاب شخصية قوية ، وعمليون…. الغريب أنى من عشاق اللحوم المفترسين ، إلا أن أيا من هذه الصفات لا تنطبق إطلاقا على جناب حضرتي، لأنني مضبضب وخجول ولا اصلح لأكثر من قيادة السيارة، وأنا استاتيكي ( عكس ديناميكي)،وشبه أهبل، ولا أملك أية شخصية، قوية أم ضعيفة، ولست عمليا بالمطلق.
حاشا الله علماء اليابان عن الكذب والتهليس ،لكنهم للأسف غير الشديد يعممون نتائج تجاربهم وأبحاثهم تلك على البشرية جمعاء بمن فيها العرب العاربة والمستعربة التي ننتمي أليها ….. ولا فخر!!!!!!!
المسلمات الخاطئة تؤدي إلى نتائج مغلوطة، هذا ما حصل مع ذوي العيون المفلطحة، حيث افترضوا بأن المواطن العربي مثله مثل الياباني والأوروبي والأميركي ومن شابههم من” بني الأصفر الممراض ” هو حرّ في اختيار” مينيو” الطعام الذي يرغبه ويناسب ذوقه، وان قضية الأكل هي قضية أذواق وليست قضية أسعار وإمكانيات مادية ومعنوية.
انهم لا يعرفون بأننا شعب يأكل الزلط على سبيل الاستمرار في التنفس والبقاء على قيد الحياة في الفترة ما بين الولادة وعملية حشو المؤخرة بالقطن.
انهم لا يعرفون أن نوع ما نتناوله من طعام يرتبط عكسيا بنوع السيارات التي يمتطيها السادة الوزراء وابناء الحكومات ، وحجم الأموال التي يقتطعونها من حليب أطفالنا وقوت عيالنا . وان كل مسؤول يزداد ثراء يزيد معه عدد الفقراء نصف مليون نسمة على الأقل.
نحن نأكل فولا حتى نشبع لحما ، وهم يأكلوننا أحياء ويبيعون الأوطان باسمنا ويستقرضون الأموال باسمنا … خليها على الله يا مواطن!
أيها الزملاء في اليابان … مشان الله خليكوا على الكمبيوترات والاختراعات المذهلة ، واتركوا لنا مسألة البطون والكروش والعروش.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى