ليلة القبض على عروبتنا . بغداد شاشة خضراء /نور الدويري

ليلة القبض على عروبتنا .
بغداد شاشة خضراء .

نور الدويري

اذكر ليلة عام ٢٠٠٣ كنت ارابط على حدود النوم لامنعه من زيارتي فترة اطول ، اقامر على قدرتي بالاستيقاظ نشطه لذهاب للكليه صباحا، وفي محاولاتي المراوغة لتصدي لنوم بعناد مراهقة فظه اغالظ امي و(اتزانخ) عليها كعادة زهرة يانعه تتبجج فخرا على جذع شجرة زهر معمرة .

استوقفتني رياح غضب جامحه بصوت والدي كانت النبرة تشجب ( زناختي) بقوة بطريقة لم اعتد عليها فصمت كياني وهدىء عقلي تماما حتى ثرثرتي صمتت .

فيما عيون ابي ضائعه بازرار جهاز المتحكم وهو يبحث بين القنوات القليله حينها عن شيء يهدئ اعصابه ويسكن مشاعره التي بدا انها تكاد تقتلع من جذورها وتنهار امامي فجاة ،شعرت لحظتها بخوف يتسرب لاوردة جسدي النحيل كانت باردة جدا حد إشعاري بالارتعاش ، فجلست قرب التلفاز على اريكة سوداء صغيرة اطالع التلفاز لافهم غضب ابي وضياع عينيه ولهفة صدره التي أسمعها تتسارع وهو يتمتم (الله اقويك يا صدام) وهو يصك على اسنانه وغمرة القلق تعلو جبينه منبهة كل أركان البيت ان يتوقف عن التنفس !!…
أخيرا أوقف الشاشة على قناة الأردن الوطنية كان لون الشاشه اخضر قاتم لايشبه الخضرة الجميلة في شيء وكتب اسفل الشاشة ( من مطار بغداد) …

بدات الاحجيه تتركب وبدا عقلي يتدهور (العراق رمز للعروبة) هكذا تعلمت فزاد خفقان قلبي فجأه لعلمي وادراكي الصغير حينها انها احد مصدر قوتنا العربية (قمة هرم الثالوث العربي) آخر زاوية نحتمي فيها كعرب .

فرغم صغر سني وطيشي الا انني كنت اجد بعض من الشغف في قراءة ومتابعة الأخبار الكافية منذ نعومة اظفاري والتي أدركت معها اهمية العراق باللعبة السياسية و الطلب الدولي وقتها لفتح باب التفتيش عن اسلحه الدمار الشامل وتهديد بوش الصريح للعراق ، فهل فعلا ستضرب بغداد الليلة !!!

استوقف عقلي ،بؤبؤ عيني فتجمدتا على صورة الشاشة التي كانت تبث من مطار بغداد ، لم اجرىء انا اسال ابي شيء فقد كنت اراقب والصمت يعشش اركان البيت مكتفيا بهمهة ابي وصوت شاشة التلفاز ففكرت برعب اذا العراق سقط اذن سنسقط نحن تباعاً… .
وبدا صوت القصف يعلو من الشاشة الخضراء مؤكدا توقع التهديد الأمريكي ، ووجه والدي أصبح عابسا أكثر حتى انني كدت أن اقسم اني شهدت بلمعان عينيه دموع تنتظر مغادرتنا الغرفة لتتساقط وحدها فهي دموع قومية بتوقيع رجل شرقي لا تسقط ولايجب ان تسقط امام احد .
وجررت نفسي لسريري بعد بضعة ساعات من تاكد القصف وانا ادعو لبغداد بالنجاة فنخيلها متجذر من صحراء المغرب حتى البحر الابيض المتوسط .
فراتها من مطر دموع العرب وفرسان تاريخه ، وكان شيء يقول في قلبي (لن يسقط بغداد شيء)….

اليوم مر على هتك عرض العرب خمسة عشر ونيف فقدنا من وقتها كل شيء (الرمزية ، القوة، الاتحاد ،الوطنية، القومية ، الامن، الشرعيه، الحق ، الانسانية…) ولاذت الاخوة العربية للفرار واستوطنت برزخ الشهداء والقدسين لاتجد طريقا لنور لتعبره .
وحل مكانها ( السخط ، الدم البارد ، الثورات الفاشله ، الزور والادعاءات ، دعايات متمدنه تؤرخ الباطل و تسحق الحقيقه باقلام عربية، انهيارات اقتصاديه وفساد صار وظيفه محترمه و رياح الجوع والفقر صارت رايه عربيه… ).
وسقطنا تباعا وصفقات وصفات الدمار لازالت تكتنز ما تبقى من مستقبل قريب وبعيد …

لله درك يا بغداد يا مقلتي العمانِ والقدسِ
باعوك يا وطن الاحرار وانتحروا فوق العروش جثث و وقفوا !!!
انتصر الحق في القلب يا بغداد فاغتلوه الخونة وارسلوه للقاهره في تابوت واحرقوه …
ونثر رماد النخيل في شوارعك واطواق الياسمين الشامية فوق صفحات تاريخ الباطل لتفوح رياح الطاعون في اليمن الحزين .
لمحت يا بغداد صحراء المغرب بعزتها تطفو فوقها سفن الفرقة فجروها للخليج فاستقبلتها قناة السلوى لتبعد قطر قطرة اخرى عن العروبة ، والرياض جالس كناسك عاجز امام الكعبة ينحب حدود العُرب ومضاربها.
اعلام القمه الاثنتين والعشرين ترفرف فوق الجثث والدمار في حلب وادلب وضواحي الشام وسكنت الرياح المريضة ارض اليمن واعتصر القهر والفقر والوجع قلوب الاحرار السجناء وانتكس قلب العربي والرجولة دخلت في سباتها تقف على اثار الذكورة وتدعي … .
وانتكسنا نحن وحرف الضاد يحتضر ، و مالنا غير الدعاء والصبر …
فانا امراة عربية ان نادت صارت غريبة لاحول لها ولادين فسأندي بقلبي واناجي السبات عله يوقظ اخر ما تبقى من رجولة العُربِ.
بقلمي /نور الدويري
صباحكم ما تبقى من عزتنا …

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى