حديث سواليف الرمضاني 11 : صَنائِعُ المَعْرُوفِ تَقِيْ مَصِارِعُ الْسُوءِ ((3))

سواليف – خاص – د. منتصر بركات الزعبي

قصةٌ أخرى حدثت منذ أكثرَ من مئة عام تقريبًا ، فهي واقعية وليست محض خيال ، يقول صاحب القصة ويدعى ابن جدعان : خرجت في فصل الربيع ، وإذا بي أرى إبلي سماناً , يكاد أن يُفجِّر الربيعُ الحليبَ من ثديَّها ، كلَّما اقترب الحوار – ابن الناقة – من أمِّه دَرّت وانفجر الحليب منها من كثرة البركة والخير ، فنظرت إلى ناقةٍ من نياقي وابنِهَا خلفها , وتذكرت جارًا لي له بُنيَّات سبع بنيات ، فقير الحال ، فقلتُ : والله لأتصدقنَّ بهذه الناقة وولدِها لجاري ، والله – عز وجل – يقول : )لنْ تنَالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون( [آل عمران:92] وأحب مالي إليَّ هذه الناقة ، فيقول : أخذتها وابنَها , وطرقت الباب على جاري , وقلت خذها هدية مني لك ، فرأيت الفرح في وجهه , لا يدري ماذا يقول ، فكان يشرب من لبنها ويحتطب على ظهرها , وينتظر وليدها يكبر ليبيعه , وجاءه منها خير عظيم . فلمَّا انتهى الربيع , وجاء الصيف بجفافه وقحطه , وتشققت الارض ، شددنا الرحال نبحث عن الماء في الدحول – والدحول : هي حفر في الأرض توصل إلى محابسَ مائيةٍ , لها فتحات فوق الأرض – يعرفها البدو يقول : فدخلت إلى باطن الدُّحل لأُحضرَ الماء حتى نشربَ , وأولادي الثلاثة خارج الدحل ينتظرون , فتهت تحت الأرض , ولم أستطع الخروج , وانتظر الأبناء يومًا , ويومين وثلاثة , حتى يئسوا وقالوا : لعل ثعبانًا لدغه ومات , لعله تاه تحت الأرض وهلك , وكانوا – والعياذ بالله – ينتظرون هلاكه طمعًا في تقسيم المال والحلال ، فذهبوا إلى البيت وقسَموا الميراث ، فقام أوسطهم وقال : أتذكرون ناقة أبي التي أعطاها لجاره ، إن جارنا هذا لا يستحقها ، فلنأخذْ بعيرًا أجربًا فنعطيَه الجار , ونسحب منه الناقة وابنها ، فذهبوا إلى جارهم ، وقرعوا عليه باب الدار وقالوا له : أعد الناقة خيرًا لك ، وخذْ هذا الجمل وإلا سنسحبها عنوة ولن نعطيك شيئا . قال : أشتكيكم إلى أبيكم . قالوا : اشكِ إليه ، فإنه قد مات . قال : مات ! وكيف مات ؟ ولم لم أعلم بذلك؟ قالوا : دخل دِحلاً في الصحراء ولم يخرج . قال : ناشدتكم الله , اذهبوا بي إلى مكان هذا الدُّحل ، ثم خذوا الناقة وافعلوا ما شئتم , ولا أريد جملكم ، فلما ذهبوا به , ورأى المكان الذي دخل فيه صاحبه الوفي ، ذهب وأحضر حبلاً ، وأشعل شمعةً ، ثم ربطه خارج الدحل ، فنزل يزحف على قفاه حتى وصل إلى مكان يحبوا فيه وآخر يتدحرج ، ويشم رائحة الرطوبة تقترب ، وإذا به يسمع أنينًا ، وأخذ يزحف ناحية الأنين في الظلام ويتلمس الأرض ، حتى وقعت يده على الرجل ، فإذا هو حي يتنفس بعد أسبوع تحت الأرض ، فقام وجرَّه ، وربط عينيه حتى لا تنبهر بضوء الشمس ، ثم أخرجه معه خارج الدحل ، وأطعمه وسقاه ، وحمله على ظهره ، وجاء به إلى داره ، ودبت الحياة في الرجل من جديد ، وأولاده لا يعلمون ، قال لي الرجل : أخبرني بالله عليك , أسبوع كامل تحت الأرض و لم تمت ! فقلت : سأحدثك حديثاً عجباً ، لما دخلت الدُحل ، وتشعبت بي الطرق ، آويت إلى الماء الذي وصلت إليه ، وأخذت أشرب منه ، ولكنَّ الجوع لا يرحم ، فالماء لا يكفي . يقول : وبعد ثلاثةِ أيامٍ ، وقد أخذ الجوع منِّي كلَّ مأخذ ، وبينما أنا مستلقٍ على قفاي ، وقد أسلمت وفوضت أمري إلى الله ، وإذا بي أحس بدفء اللبن يتدفق على فمي ، فاعتدلت في جلستي ، فإذا بإناء في الظلام لا أراه يقترب من فمي , فأشرب حتى أرتويّ ثم يذهب ، فأخذ يأتيني في كل يوم ثلاث مرات ، ولكنه منذ يومين انقطع ، لا أدري ما سبب انقطاعه ؟ فقال لي : لو تعلم سبب انقطاعه لتعجبت ! ظن أولادك أنك مت ، وجاءوا إليَّ وسحبوا الناقة التي كان الله يسقيك منها . والمسلم في ظل صدقته ، قال الله تعالى : (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً*وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب ) أرأيتم كيف تخرج الرحمةُ وقتَ الشدة ! ضاقت فلَّما استحْكَمَتْ حَلَقَاتُها فُرِجَتْ وكنتُ أظُنُّهـا لا تُفْرَجُ.

ارشيف 2015

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى