قليل البخت / وائل مكاحلة

قليل البخت
منذ بضعة شهور سكنت بيتا جديدا.. يدهشني المثل الذي يستخدمه المستأجرون في التخفيف عن معاناتهم..

“المالك له بيت.. والمستأجر له كل البيوت” …!!

الحقيقة أن المستأجر لا بيت له.. لا شئ له على الإطلاق، المستأجر يمثل دور الحب الساقط بين شقي الرحى، ما بين مطرقة الحكومات وسندان المالكين، كثير من أحاديث دارت تحت قبة البرلمان، وضعوا المستأجر في كفة والمالك في كفة أخرى، وجرت المزايدات المعروف مآلها في النهاية.. ماذا كنت تتوقع وتسع أعشار المجالس من مُلّاك العقارات؟!!

هذا ليس موضوعنا الآن.. بعض الأحاديث يجرك إلى حقول ليس الكلام عنها بمأمون.. خلونا في عنوان المقال…!!

مقالات ذات صلة

التراس..

منذ سكنت هذه الشقة الأرضية وأنا أمني نفسي بالتمتع بتراسها الجميل، هو لا يطل على أي مشهد غير عادي، لكن الجلوس في شرفة واسعة كان مبتغاي منذ الأزل، هناك حيث تتيح لي المساحة الواسعة تغيير وضعية الكرسي أفقيا وعموديا وتحريكه مع أو ضد عقارب الساعة بلا ضيق يحد من حركتي، هناك حيث يمكنني تنظيف الأرضية لو سقط قدح القهوة بما فيه دون أن أحشر جسدي داخل شرفة محدودة، الكلمة في حد ذاتها جميلة تعدك بمساحة أخرى تضاف إلى مساحة بيتك يمكنك فيها عمل ما تشاء “تراس”، يمكنني – مثلا – أن ألعب مع ابنتي على الأرضية ألعابا لا أستطيع لعبها داخل الشقة الضيقة، أو ممارسة الكتابة في أجواء أروع من تلك التي في الداخل، فك وتركيب الأجهزة.. التنجير والتشجير والشحابير !!.. كلها أشياء لن تجلب لي سخط زوجتي لو مارستها على التراس دون أن أقحمها في البيت كعادتي..

في اليوم التالي لاستقراري في البيت الجديد.. نهضت في السابعة صباحا فتوضأت وصليت وطرت بأحلامي وقهوتي وكتاب ألفه أحد أصدقائي إلى باب الشقة، فتحتها وخرجت أتنفس بعمق لأملأ صدري بهواء التراسات النقي.. فقط لأبدأ موجة من السعال سالت لها دموعي، لم أبحث عن مصدر الدخان الخانق طويلا، كان جاري – صبحه الله تعالى بالخير – مستعجلا على الذهاب ومحرك سيارته المصنوع سنة 1876 يحتاج إلى تحمية قبل الإنطلاق، سحقا له.. لقد أفسد علي فرحة أول نزهة على التراس، دخلت وانتظرت حتى أعلن نفير سيارته أنه انطلق أخيرا، أخذت القهوة التي دخلت مرحلة الدفء الآن وخرجت إلى التراس، حركت الكرسي جيئة وذهابا حتى استقررت على وضع جيد، “بحطت” على الكرسي البلاستيكي الذي اشتريته من المؤسسة العسكرية لأجد أنه يستحق كل فلس دفع فيه.. كان مريحا حقا…!!

لثوانٍ شعرت بأن للحياة طعم آخر وأن للقهوة خالية السكر هنا – بالتأكيد – طعم آخر لا بد أن أجربه، مددت يدي إلى القدح لكن شيئا غريبا سقط من علٍ أثار حفيظة القهوة فعطس القدح وانتثر الرذاذ على يدي، نظرت لأعلى لأجد أنها حمامة وديعة تقف على سطح البناء.. طبعا هذه المأفونة لم تجد مكانا أفضل من تراسي وقدح قهوتي بالذات لتقضي حاجتها في رحلة البحث عن الرزق الصباحي !!.. كتمت غيظي كي لا أصرخ غضبا على التراس أمام المارة ودلقت القدح في المصرف، وعدت لأجلس واعدا نفسي ألا أسمح لأي حمامة أن تفسد علي يومي الأول هنا، فتحت الكتاب الذي جلبته معي.. الكتاب من تأليف أحد أصدقائي كما قلت لكم، أهداني نسخة موقعة منه فوعدته أن أقرأه وأعطيه رأيي، طبعا مر على تلك الحادثة عامان.. أرى أن الوقت قد حان إذا لأن أبر بوعدي !!.. نفضت غبار الزمن عن الكتاب الصقيل وفتحت أولى صفحاته وبدأت أقرأ ما خطته يدا صديقي في مقدمة الكتاب….. ثم…

عاق عاق.. فابتسمت.. طبعا هذا وقت الغربان التي ابتليت بها “العقبة” لتبدأ يومها وهو يصادف بالضبط يوم نحسي المبالغ فيه، أغلقت الكتاب ودخلت إلى البيت لأعود للنوم قبل أن تتجلط الدماء في مؤخرة رأسي توطئة لأن أصاب بالفالج، غاص رأسي في الوسادة لأغرق في النوم ثانية وأستيقظ عند الظهيرة معكر المزاج، لاحت لي فكرة ما ففتحت النافذة التي تطل على التراس لأجد هادئة لا يشوبها سوى أشعة الشمس التي تسللت إلى هنا حسب جغرافية المكان، بسرعة أحضرت كتابي الذي لم أقرأه صباحا وأحضرت معه كوبا من العصير المثلج تماشيا مع مناخ الساعة، وخرجت إلى التراس لــ “أبحط” ثانية على كرسي المؤسسة ذاته.. ما أجمل الحياة وما أروع العيش، أنا مستعد أن أبقى هنا إلى يوم يبعثون، لا شئ أجمل من هذا الاختراع الجميل المسمى “تراس”..

غارق في أفكاري وأحلامي وإذا بجرس ما يدق معلنا نهاية اليوم الدراسي في المدرسة الابتدائية المجاورة، فبدأ الأطفال الأبرياء بالتوافد من المدرسة ليمروا ببيتي الساجي الهادئ فيتحول المشهد في لحظات إلى “ديسكو” نهاري متعدد الأصوات والضوضاء، عراك بين صبيين على مصاصة.. فتاة تقرع أبواب الناس وتهرب لتورط زميلاتها الأخريات المهذبات.. أحد الأطفال لفت نظري جدا بموهبته في الغناء.. أتوقع له النجاح على صعيد أفلام الرعب…!!

حتى عصافيري لم تسلم من معمعة التراس النهارية.. علقت أقفاصي الجميلة خارجا فسمعت أصوات صفير لا تشي بفرحة العصافير بالتنعم بضوء الشمس، خرجت لها مفزوعا فوجدتها شاحبة الوجوه تستجديني العطف لأعيدها للداخل..

كنت أجمع الأقفاص وأنا أتمتم بمثل آخر تذكرته..

“قليل البخت يلاقي عظم في الكرشة”…!!

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة.. في القويرة…..!!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى