
تمتمة مساء
” جولة مع الرّسام ”
.
عاش رسّامٌ فقير في قرية صغيرة
وكان يرسمُ لوحاتٍ في غاية الجَمال
ويبيعها بسعرٍ مرتفع
وفي يومٍ من الأيام أتاه فقيرٌ وقال له :
أنتَ تكسبُ مالاً كثيراً من بيع لوحاتك
لماذا لا تساعد فقراء القرية ؟!
انظر إلى الجزّار في قريتنا
رغم أنّه لا يملك مالاً كثيراً
إلا أنّه يُوزّع على الفقراء لحماً مجانيّاً كلّ يوم
لمْ يردّ عليه الرّسام بحرفٍ واحدٍ
وإنّما اكتفى بالابتسام
خرج الفقيرُ منزعجاً من عند الرّسام
وأشاع في القرية أنّ الرّسام ثريّ وبخيل
فنقم عليه أهل القرية
بعد مدّة مرض الرّسام العجوز
ولم يعره أحد من القرية اهتماماً
ومات وحيداً …
مرّت الأيام ولاحظ أهل القرية
أنّ الجزّار لم يعد يُوزّع اللحم على الفقراء
وعندما سألوه عن السبب قال :
كان الرّسام يعطيني المال لأُوزّع اللحم على الفقراء
فلمّا مات انقطع المالُ فانقطع اللحمُ !
.
.
الدّرس الأوّل :
لا تكن سطحيّاً
ترى من الأمور ظاهرها فقط
فالبعض نبلاء في الخفاء
ومن فرط النّبل يزهدون أن يعرف الآخرون بنبلهم
لاحظَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه
أنّ أبا بكرٍ رضي الله عنه يقصد طرف المدينة بعد كلّ صلاة فجر
فتبعه لينظر ماذا يفعل هناك فلعلّ خطباً حصل له
فوجده قد دخل بيتاً
ومكث فيه ساعة ثمّ خرج
وعندما تكرر الأمر علم عمر أنّ أبا بكر لا يصدر عنه إلا خير
فأراد أن يعرف سر أبي بكر
فطرق الباب فإذا هو أمام عجوزٍ عمياء
فسألها : ماذا يفعل هذا الرّجل عندكم ؟
فقالت له : والله يا بُنيّ إنّي لا أعرفه
ولكنّه يحضر كلّ يومٍ فينظّف بيتي
ويطبخ طعامي ويغسل لباسي
وينصرف دون أن يكلّمني
عندها قال عمر قولته الشّهيرة :
أتعبتَ من بعدكَ يا أبا بكر..!!!
.
.
الدّرس الثّاني :
ما لكَ وللنّاس ؟!
يكفي أن تعرف نفسكَ
منذ متى كانت أحكام النّاس عادلة
النّاس إذا أحبّوا شخصاً جعلوا عيوبه مزاياه
وإذا كرهوا شخصاً جعلوا حسناته رزاياه
ويوم أرادوا أن يطردوا آل لوطٍ من قريتهم
ولم يجدوا لهم ذنباً مقنعاً
اتهموهم بالطّهارة !
” فما كان جواب قومه إلا أن قالوا : أخرجوا آل لوطٍ من قريتكم إنّهم أُناس يتطهّرون ”
أهذا ذنبٌ يُطرد فيه المرء لأجله من قومه ؟!
النّاس رموا العفيف يوسف عليه السّلام بالزّنا
ورموا المؤمن إبراهيم عليه السّلام بالكفر
ورموا الصّادق الأمين محمد صلى الله عليه وسلّم بالسّحر والكذب
وإن كان هذا حال الأفّاكين
فعن الصّالحين أيضاً حدّث ولا حرج !
روى البخاريّ من حديث سهل بن سعد السّاعديّ
أنّه مرّ رجلٌ من فقراء المسلمين على النبيّ صلى الله عليه وسلّم
فقال لأصحابه : ما تقولون في هذا ؟!
فقالوا : رجلٌ من فقراء المسلمين
هذا واللهِ حريٌّ إن خطب أن لا يُزوّج
وإن شفع أن لا يُشفّع
ثمّ مرّ رجلٌ آخر من الأشراف
فقال سيّد النّاس : ما تقولون في هذا ؟!
فقالوا : رجلٌ من أشراف القوم
هذا واللهِ حريٌّ إن خطب أن يُزوّج
وإن شفع أن يُشفّع
فأشار النبيّ صلى الله عليه وسلّم بيده إلى الأوّل وقال :
واللهِ هذا خير من ملء الأرض من هذا..!!!
.
.
الدّرس الثّالث :
قالت العربُ قديماً : إرضاء النّاس غاية لا تُدرك
وهذا من أعقل ما قالته العرب
مهما كنتَ محبوباً ستجد من يكرهك
ومهما كنتَ ناجحاً ستجد من يقلل من قيمتك
ومهما كنتَ تقيّاً ستجد من يشكك في تقواك
إذا أحسنتَ إلى زوجتك
قالوا : خروف !
إذا أحسنتَ إلى والديكَ
قالوا : أرنب !
إذا تنازلت عن حقّ لك
قالوا : جبان !
إذا طالبت بحق لك
قالوا : عدوانيّ !
إذا التزمتَ بدينك
قالوا : متزمّت !
إذا التزمتِ بحجابكِ
قالوا : جاهلة بالموضة !
إذا أطعتِ زوجكِ
قالوا : شخصيّتها ضعيفة !
إذا زرتَ صديقاً
قالوا : له مصلحة !
إذا تصدّقت على فقير
قالوا : يُرائي !
إذا دافعت عن شخص
قالوا : يتملّق !
إذا لم تقبل رشوة
قالوا : لا يعرف من أين تُؤكل الكتف..!!!
.
.
الدّرس الرّابع :
الأشياء الجميلة تكون في السّر أجمل
فالنّصيحة على الملأ فضيحة
والعِظة أمام النّاس جارحة
الصّدقة في العلن قد تجرح كرامة
ولكنّ صدقة السّر ترمم حاجة النّاس
فلا تفعل على الملأ معروفاً يمكن فعله في السّر
ولا تخف على حظّك
الورد يُشمُّ عطره ولو لم يتعمّد نثره
والشمس يُشاهد ضوؤها ولو كان الطّقسُ غائماً
والمطر يُرى أثره ولو لم يسقط على كل شخصٍ بعينه
والنّهر مشكور وهو يجري بصمت
والشّجر محمود وهو يُقطفُ غيلة..!!!



