تأملات قرآنية

#تأملات_قرآنية

د. #هاشم_غرايبه

يقول تعالى في الآية 22 من سورة المجادلة: “لا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنۡهُۖ وَيُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱللَّهِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ”.
جاءت هذه الآية لتوضح مسألة التحزب، فقسمت مواطني الدولة الإسلامية بناء على مودتهم لمن يتبعون منهج الله أو لمن يعادونه، الى فسطاطين: حزب الله، وبيّن مواصفاتهم في هذه الآية، وحزب الشيطان، الذين بيّنهم في الآية السابقة.
هذا هو التحزب، لأن المرء يلقي دائما بالمودة الى من يوافقونه في الرأي والفكر والهوى، وهذا هو ما يكشف دخيلة الإنسان، ويظهر ما يبطنه.
لذلك فما يميز المؤمن الحقيقي من المنافق هو ميله وهواه، أي موقفه الفكري السياسي من تأييده لمن يسعى لإعلاء كلمة الله، ويدعو لاتباع منهجه، سواء كان على المستوى الفردي أو على مستوى نظام الحكم، هؤلاء جميعا: المجاهدون وداعميهم هم حزب الله، الذين بشرهم الله بأنهم هم المفلحون، أي الذين سيثمر عملهم ثوابا مضاعفا يوم القيامة.
وأما حزب الشيطان فهم الذين يوادون من حاد الله ورسوله، سواء كان هؤلاء المعادون من خارج الأمة، أو من الطواغيت الحاكمين، فهم كل الذين يؤيدون أفعالهم في قلوبهم، أو يظهرون دعمهم صراحة.
ورد مسمى الحزب في القرآن بمعنى الجماعة التي تلتقي على منهج واحد، وتعمل لتحقيق هدف توافقوا عليه، لذلك دعيت موقعة الخندق بغزوة الأحزاب، لأن المشاركين فيها كانوا قبائل متباعدة نسبا ومكانيا، لكنهم التقوا معا لأنهم كانوا جميعا يتبعون منهج الشرك، وهدفهم المشترك استئصال شأفة الإسلام.
من هنا اشتقت الجماعات السياسية مسمى الحزب، لكن في النظام الإسلامي ليست هنالك أحزاب، لأن المنهج الذي يفترض اتباعه هو منهج الله والتشريعات التي يجب تطبيقها لتنظيم شؤون الناس هي الشريعة.
هنا يتبين الفارق الجوهري بين النظام السياسي القائم على الديمقراطية الغربية التي تعتمد التنافس بين الأحزاب، أي التعددية في المنهج، وبين النظام الإسلامي الشوري الذي يحدد المنهج الأصوب بالمطلق، كونه من اختيار الخالق الأعلم بمصالح البشر وبسبل حل مشاكلهم، لكنه يتيح التنافس بين البشر للوصول الى سدة الحكم، ليتم اختيار من هو أكفأ وأقدر وأعلم.
من هنا فلا ضرورة للأحزاب السياسية التي تتأسس على مبدأ التعددية الفكرية، فالمناهج البشرية تجريبية تحتمل الخطا أو الصواب، لكن المنهج الإلهي كامل متكامل، وتشريعاته واضحة تغطي كافة المتطلبات ومدونة في كتاب محفوظ من التزوير والتحريف.
التطبيق البشري تاريخيا، لا يحتج به للحكم على صلاح النظام السياسي الإسلامي أو كماله، فالتطبيق الحقيقي له كان خلال الفترة الراشدية فقط، وكل الأنظمة التي جاءت بعدها كانت شوهاء، بسبب احتكار الحكم في عائلة محددة، تتداول السطة بالوراثة، لذلك فلا يصح الاستشهاد بها عند المقارنة مع الأنظمة الوضعية.
لذلك فعلى المنادين بقيام الدولة الإسلامية المعاصرة، أن يشتقوا الأسس من المصدر الأول، ويتعلموا من التجارب البشريةعلى مر العصور، عندها سيكون النظام ألمثل، ..الذي هو السبيل الوحيد للفلاح.

مقالات ذات صلة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى