فساد بحماية شعبية / علي الشريف

فساد بحماية شعبية

قديما كنا نسمع بان فلان قد سلب من فلان مبلغ خمسة دنانير تحت التهديد بقوة السلاح وكنا نتاثر كثيرا بوقع الخبر ، ونبحث عن الساطي والمسطو عليه، وربما كنا نذهب للاطمئنان على سلامة الساطي، ونقول له سلامتك بالمال ولا العيال الحق على المسروق .
وكالعادة يضيع المسروق ، فلا تعرف له طريقا ، رغم انه بيننا ونعرفه ، ويبقى السارق يسطوا على الناس، والجريمة تقيد ضد مجهول، فان القي القبض عليه ،كان الناس يشعرون براحة كبيرة ، ويطالبون بالقصاص العادل ، وفي نفس الوقت يتدخل الاقارب والحبايب والعزوة بكل ما اوتوا من قوة ليفرج عنه واقناع الناس بانه اطهر من الخلفاء الراشدين .
تطورت الامور كثيرا حتى وصلت الى مرحلة السطو على البنوك جهارا نهارا، ومع تطورها تطورت الامكانيات البشرية ، فالسطو يتم في مكان مزدحم، وتحت التصوير ، وبمسدس بلاستيك، وفي احيان اخرى بمسدسين ، وبسرعة قياسية بالسطو .
في الاردن وحده تم اسرع عملية سطو مسلح في تاريخ البشرية على بنك على ابوابه حماية و في وسط الازمة وجهارر نهارا وخلال 36 ثانية فقط لاغير .
في الاردن وحده تتم السرقة بدون لثام وبمسدس بلاستيك وبعدم لا مبالاة من السارق، ويقوم السارق بالتوجه الى المطار، ويدخل ومعه مسدسين، ويلقى القبض عليه ومعه سلاح الجريمة ، وبقايا من الاموال المسروقه .
في الاردن وحده يسطو شخص على بنك لانه يحب المغامرة ويهرب ويسطو اخر لانه يريد ان يهرب من الديون ويسلم نفسه وكلاهما يبتسمان للكاميرا نتعاطف مع الثاني ونطالب باعدام الاول .. رغم ان الجرم واحد والسطو واحد والقانون واحد والعقوبة واحده .
في الاردن وحده المبالغ المسروقة متقاربة بين جميع البنوك !!! وفي الاردن وحده يهلل الشعب للسارق ويتعاطف معه، ويتمنى ان يصرف الاموال بعرق العافية ، وان لا يلقى القبض عليه ، ويشمل بالدعاء والرجاء الى الله ان يبقى حرا طليقا .
الحقيقة ان ما يحدث اشبه بالفلم الهندي للامانه، وبعيدا عن التشكيك، الا ان تكرار مسالة السطو المسلح على البنوك والاعلان عنها ومدى التندر الشعبي بها بات مثار ريبة وشك ، فهي بدون ادنى شك تضع على الاقتصاد الاردني ومؤسساته الف اشارة استفهام وتعطي انطباعا باننا بلد من كرتون غير مقوى ولا مصقول ومؤسساتنا مشاعا ..وبرغم ايماني بصحتها الا انها لم تعد تقنع احدا،
بصراحة ابني لو اراد ان يمارس السطو على جيبتي فانه يحتاج الى ثلاثة ساعات تخطيط وساعتين تفكير وساعة على الاقل مراقبة اين اضع البنطلون؟ والمحفظة في اي جيب ؟ وكيف سيتناولها وياخذ ما يريد ؟.. وفي اغلب الاحيان ، القي القبض عليه لانه سيطرق الباب خلفه ، فكيف تتم سرقة بنك خلال اقل من نصف دقيقة؟.
الغريب في الامر بعد تنفيذ عملية السطو من قبل سارق البنك(وايهم فهم كثر) فان البوصلة تتغير مباشرة عن عملية السرقة لتبدا الحكاية حول اسم السارق وعمره، واسم عائلته ،واصله ومنبته،ونمرة رجلة، وثمن بيته ونوع سيارته وتتطور ليصبح الحديث عن اداة الجريمة، وبعد ذلك الدوافع التي هي عذر اقبح من ذنب فننسى تماما من السارق ومن المسروق مثل ما يحدث الان .
نريد لصا محترفا لا يلقى القبض عليه ولا يحتاج سلاحا ولا يجرؤ احد ان يتطرق بالاشارة اليه او يتكلم عن اسم عائلته او مكانته، وان سرق فان السرقة له حق مكتسب، فلا يسال ولا يحاسب ،وان حوسب فانه بلاشك سيخرج بريئا، براءة الذئب من دم يوسف ،وبراءة المعنيين من دم غزلان دبين ،
وسيثبت للدنيا انه مستهدف ويدفع ثمن مواقفه النبيلة في الدفاع عن حقوق الحارة وسيصدق اهل الحارة ويدخلون معه معركة الدفاع عن الشرف و المواقف وربما نعيد انتاجه فيصبح عقيد الحارة .
نريد لصا مثل لصوص زمان يسطوا، ويسرق، ويبقى مثل اللهو الخفي، لا يعرفه احد وينكره الجميع، حتى لو رأه الجميع حتى لو كان مكشوفا فانهم سيدافعون عنه ويتهمون المسروق بانه السبب ويجب معاقبته ومحاسبته واعدامه وابعاده والتنكيل به.
ما اشبه الايام بتداولها وما اشبه الاحداث فالناس تريد ان تحمي لصوص البنوك وتدعوا لهم بطول العمر والبقاء اذا كانو من نوع معين ، وهي نفس الناس التي تصنع منهم ابطالا اذا ما اختلف النوع ، والناس تطالب بمحاسبتهم والقاء القبض عليهم، وهي نفسها التي تحميهم .
والناس هم نفس الناس الذين يطالبون باجتثاث الفساد والفاسدين وهم نفس الناس الذين يتناولون الطعام على موائدهم، ويهرولون الى مضاربهم ويصنعون منهم الهة تعبد.
وهم ذات الناس الذين يسبحون بحمد البعض لمجرد اعفاء طبي هو حق للجميع وشعارهم احنا طلقة بخرطوشك..وابشر بالفزعة يا ابن العم..
لا استغرب كل ما حدث ، وما سمعنا من عمليات سطو مسلح على البنوك ،ولا استغرب ولن استغرب ولا يستغرب احدا ان بنكا يسرق خلال 36 ثانية او اقل،وبمسدس بلاستيك ، او فرد مي، فهناك اوطان طارت بجرة قلم ولم يسال احد؟؟؟؟؟؟ ولم يلقى القبض على احد ولم يتهم احد ؟؟؟؟ لكن كل ما بات يقلق ان الفساد في بلادنا اصبح تحت الحماية والرعاية الشعبية .
بصراحة هذا الوقت الذي يجب ان يكون فيه الصمت ابلغ من كل الكلام وفي نفس الوقت يكون جريمة نكراء ونصيحة مني لوجه الله ضبوا هالسيرة ترى صرنا مسخرة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى