الآذن / د. هاشم غرايبه

الآذن
د. هاشم غرايبه
استحدثت وظيفة الآذن فيما مضى لتعيين من لا يتقن مهنة ولم يتلق تعليما، جل مؤهلاته الإخلاص للمدير والتفاني في تنفيذ أوامره، فلا غرو إذن أنها اعتبرت في أدنى السلم الوظيفي.
عندما كنا طلابا في المدرسة الابتدائية في أوائل الستينيات، كنا نرى الآذن (ابو ابراهيم) شخصية مرعبة، فهو الذي كان يقبض على من تأخر عن الطابور الصباحي فدخل متسللا من فتحة في السياج المحيط بالمدرسة، كنا نضطر الى التأخر أحيانا في فصل الشتاء، فعلى الرغم أنا كنا نستيقظ مع العصافير لأن النهار قصير ولم تكن الوالدة لتسمح لنا بالخروج قبل أن تدججنا بكافة الملابس المتاحة درءا للبرد القارس، ولما كانت الرحلة الى المدرسة تستلزم منا أن نقطع القرية من أقصاها الى أقصاها في طرق زلقة موحلة تملأها البرك، لذا كان الوصول ضمن الوقت المحدد مسألة حظ.
لم نفلح في أي مرة تأخرنا فيها من الانفلات من عيون ابي ابراهيم اليقظة، إذ يوقفنا أمام غرفة المدير الذي يذيقنا العقوبة التقليدية (ضربتين بالعصا على كل يد). في إحدى المرات بدأ المدير بأكبرنا الذي رفض فتح يديه للعصا فضربه على قفاه وجنبيه فكسرت العصا، في الأثناء كنا ننتظر دورنا المحتوم ونحن نفرك ايدينا المتجمدة وننفخ فيها لتهيئتها للضربة الموعودة، فاعتقدنا أن كسر العصا أنقذنا، لكن خاب أملنا عندما ركض أبو ابراهيم الى اشجار السنديان القريبة ليحضر واحدة جديدة.
لم يبق لنا إذن إلا أن ندعو على الآذن أن تنزلق قدمه فتنكسر، أو تسقط عليه صاعقة من السماء تريحنا من شر ما انطلق لإحضاره، لكن أيا من أدعيتنا لم تستجب، فسرعان ما عاد راكضا يهز عصاه الجديدة، فتركزت أنظارنا عليها نتفحصها، آملين على الأقل أن تكون بلا عقد حتى لا تتقرح راحاتنا الصغيرة.
كان لا يخامرنا شك في أن الآذن يكرهنا وأنه يطرب لسماع صرخات التوجع، حتى كان ذات يوم نال ابنه ابراهيم ما نالنا من العقاب، فأدركنا أنه مأمور فيما يفعله، لأن هذا صميم عمله لا يملك تغييره أو رد الأوامر المعطاة له، فأصبحنا نرثي لحاله البائس بعد إذ كنا نضمر له العداء.
مع مرور الزمن، قاربت هذه الوظيفة على الانقراض فاستبدلت بـ (المراسل) الذي هو أعلى شأنا من الآذن، لكن المهمة بحد ذاتها لم تنقرض بل توسع استعمالها، فأصبحت كثير من المسميات الوظيفية ذات المدلولات الرفيعة، ما هي في حقيقة أمرها إلا كوظيفة الآذن من حيث الوصف الوظيفي.
فكثيرا ما تجد مديرا يجلس الى مكتب فاخر الى جانبه سكرتيرة وأمام بابه حاجب، يصارحك القول بأنه (لا يمون) في دائرته، وتكتشف مدى بؤسه عندما يحيل (بدافع التزلف) إنجازاته الى توجيهات عطوفة المدير العام أو معالي الوزير، مما يعني أنه يقوم بمهام (آذن) لدى المسؤول عنه.
والوزير الذي يقول لك أن حقيبته الوزارية غير سيادية أي أنه ليس صاحب قرار في اجتماع مجلس الوزراء، فليس له أن يناقش أمورا خارج صلاحيات وزارته، إنه بذلك يقترب من مهام الآذن كثيرا.

ورئيس الوزراء الذي يتنازل عن ولايته العامة في شؤون السياسة الخارجية والداخلية والمالية ، يعني ذلك تخليه عن اتخاذ القرار في هذه المواضيع الأساسية والاكتفاء بالتنفيذ أو التبرير ، ماذا نسمي ذلك!؟.
لقد ترسخ مفهوم (الآذن) كثيرا في مختلف مستويات الوظائف العامة ، فالمسؤول الذي يلاحقه شبح كونه (آذنا) لدى رئيسه، يفرغ عقدته هذه على مرؤوسيه، فلا يقبل غير كلامهم المعسول في مدح أفضاله، ويكرم المنافقين ويبخل على المجدين، وبذلك تتعزز الإنتهازية ويسود التراجع في الأداء.
خلال عقود، وفي خضم حشد الولاء للنظام وتقديمه على أنه يعني الإنتماء للوطن، أصبح مفهوم الانصياع للمسؤول بما يحمله ذلك من مواصفات (الآذن المطيع) مقدما على مفهوم المواطن المعتز بكرامته وانسانيته، مما شكل بيئة حاضنة للقيم الفاسدة، وأنتج قيادات طفيلية تنتهج التزلف والنفاق وسيلة للإرتقاء الوظيفي على حساب الفئات الصالحة القادرة على الارتقاء بالمجتمعات وتطويرها .
أما على صعيد المعارضة الوطنية فهي بطبيعة تكوينها مفككة هشة سهلة الاختراق، لذا سقط بعض رموزها في فخ الإستيزار، متذرعون بأنهم يسعون للتأثير في سياسة الدولة ، لكن أيا منهم لم يستطع أن يغير في السياسة المفروضة قيد أنملة ، ناهيك على أنهم لم يتمكنوا من المحافظة على مبادئهم، وخرجوا منها في كل الحالات مدحورين من الحكومة ومذمومين من المواطن .
أما المضحك المبكي فكانت ظاهرة تولية أحد المحسوبين على المعارضة القومية اليسارية وزارة قليلة الأهمية وغير ذات صلاحيات سميت وزارة التنمية السياسية، وتظهر الفكاهة من اختيار الإسم، فالهدف المعلن هو اقناع الناس بتشكيل احزاب لمعارضة الحكومة، بينما ظل دأب الدولة في واقع الأمر منع الحزبيين من الوظائف، ومطاردة المعارضة والتضييق عليها.
سيكون الأمر إن تم صراعا بين الطرفين بلا شك .
صراع بين المدير والآذن …فلمن الغلبة يا ترى ؟؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى