هل هنالك حاجة للدين؟ / د . هاشم غرايبة

هل هنالك حاجة للدين؟

في قصة واقعية مشهورة لسائح بلغاري كان في رحلة في تركيا بسيارته ومعه زوجته، تعطلت سيارته ليلا عند إحدى القرى، فسار الى أقرب منزل وسأل عن فندق، أجابه القروي أنه لا فنادق في القرية لكن لديه متسعا في بيته، فنام وزوجته في غرفة، ولما طلع النهار فوجيء بمضيفهما وعائلته وقد ناموا الليلة في الحديقة تحت شجرة إذ لم يكن لديهم سوى تلك الغرفة، فشعر السائح بالخجل وسأل الرجل ما الذي دعاه لذلك، فأجابه: إن ديني يدعوني الى إكرام الضيف وعابر السبيل. طبعا لا ضرورة لإكمال القصة لأن المنطق يفترض أن يتأثر السائح بذلك، فيتعرف على الإسلام ويدخل فيه.
قد يبدو مجرد طرح التساؤل: “هل هنالك حاجة عند البشر للدين؟” أمرا مذموما عند المتدين، لكنه عند غيره مشروعا، غير أن الرد عليه يكتسب وجاهة بعد أن بلغ المكر بالدين درجة اعتباره عند البعض أساسا للعنف المتفشي بين البشرية، ومنبعا للإرهاب في نظر المعادين له.
حتى نلتزم بالموضوعية يجب أن نبتديء بالمقارنة بين فريقين مفترضين من البشر: أن يكون للأول دين يؤمنون به، والفريق الآخر لا دين لهم، وأن نفترض تشابه الظرف السياسي للطرفين، أي أنهم جميعا يخضعون لسلطة الدولة وقوانينها كما نفترض تماثلا في الظرف الإجتماعي والإقتصادي. سنلاحظ ما يلي:
1 – إن الضوابط الناظمة للإلتزام بالقيم الإنسانية العليا ( مثل تقديم المساعدة للآخر ونجدة المحتاج ومواساة المكروب والإحسان الى الجار ..الخ) متباينة بين البشر بحسب أخلاق المرء وتخضع لعوامل كثيرة، لكنها عند المتدين تصبح قيما أساسية، والإلتزام بها ( كلها وفي جميع الظروف) معيار ارتقائه في الدين.
2 – الضمير والأخلاق قضية نسبية ومعاييرها متفاوتة، لأن تقديرها ذاتي شخصي، أما حكم المجتمع عليها فخاضع لظواهر الأمور، فلا توجد وسيلة لكشف بواطن النفس، لكن معيار الدين ثابت قاطع لأنه مستند الى نصوص قاطعة، مثال ذلك أن الأخلاق العامة عند الفئة اللادينية تسمح بتناول المسكرات لكنها تنكر السُّكر وتعاقب السكران على الأفعال المنكرة التي يأتيها رغم أنه فعليا مغيب الإرادة ولا يعلم ما يفعل، إذن فالقيم الإجتماعية تبيح القيام بما هو ضار مبدئيا لكنها تعاقب على نتيجة ما أباحته، أليس في ذلك تناقض ؟.
في المقابل الجماعة المتدينة تحرم تناول المسكرات قطعيا والتي هي أصلا ليست من الحاجات الأساسية للإنسان، وبذلك تقي الفرد من ارتكاب المنكر وبالتالي تحميه من إيقاع الضرر بنفسه وبغيره، وذلك أنفى للعقوبة المحتملة، أليس هذا الحل منطقيا؟.
3 – الرادع لمنع الجرائم لدى الجماعة اللادينية هو العقوبة القانونية التي تطبقها السلطة، لكن هنالك نقاط ضعف كثيرة قد تكون في ضرورة ضبط الجرم وإثبات وقوعه الأمر الذي قد لا يتحقق في كثير من الأحوال سواء باستخدام المحامي لثغرة قانونية أو باستخدام الرشى والوساطات والنفوذ، مما يفسد العدالة ويؤدي الى عدم الثقة بالسلطة وقد يؤدي الى الخروج على القانون وبالتالي فساد المجتمع، الرادع عند الجماعة المتدينة إضافة الى ما ذكر، الوازع الديني والذي لا يمكن التحايل عليه بأية وسيلة عند المؤمن، والشرع يقوى بانتهاج السلطة له، وعندها يكون رادعا فعالا.
نستخلص مما سبق أن الدين للمجتمعات ضرورة لا غنى عنها، والحديث عن كونه باعثا على العنف مجرد هراء، لأن التطرف مثلبة شخصية للفرد العاجز عن إقناع الأخر، ويتولد عندما يتعصب لمعتقده سواء كان متدينا أم ملحدا.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى