النقد السياسي .. وكوارث العرب 1-2 / المحامي عبد الرؤوف التل

هل فشل العرب في أعقاب الحرب العالمية الأولى في كل أقطارهم في أفريقيا وآسيا في إيجاد دولة لها مؤسساتها التي تحقق العدل والمساواة والحرية وتحترم الإنسان، وتجعل الإنسان منتميا لوطنه، مدافعا عن صاحب القرار الذي يشاركه في اتخاذه.

هل فشل العرب في إيجاد دولة تحقق مبدأ سيادة القانون، فتؤمن بمبدأ الفصل بيت السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية .

هل فشل العرب في تحقيق مبدأ المشاركة في اتخاذ القرار من قبل أبناء الأمة، وإيجاد مجالس نيابية، تشرع القوانين التي تحقق العدل والمساواة، وتراقب أداء السلطة التنفيذية، وتمنعها من الانحراف عن تحقيق مصالح الناس وتجبرها على اتخاذ القرار الذي يحقق المصلحة العامة للشعب.

هل فشل العرب في إيجاد نظم اقتصادية تجعلها تحول الثروة الطائلة التي منحها الله عز وجل، وركزها في بطن الأرض التي يحيا عليها مئات الملايين من أبناء الأمة، بحيث تتحول الثروة إلى قوة اقتصادية وصناعية قادرة على صنع حضارة تناسب قيم الأمة وأخلاقها، وأن تحول عقول العرب إلى عقول مبدعة في كل المجالات في ابتكار أدوات صناعية تخدم الزراعة والصناعة والتجارة، وتحارب الأمراض الفتاكة والأمية المنتشرة على نطاق واسع في كل أقطار العرب الثرية جدا، والفقيرة جدا بالإدارة والعلم والإنتاج.

لكن الواقع يقول إن “الثروة الطائلة التي انبجست عنها الأرض العربية تحولت أموالًا تكدست في بنوك أوروبا وأمريكا”.

هل فشل العرب في إيجاد وسائل إعلام حديثه تقدم الحقيقة للمواطن العربي وتعطيه المعلومة الصادقة وتمكنه من المعرفة الحقيقية للواقع سواء كان صحيحا أو غلطا تجاه ما يحدث؟ وهل وجد في أقطار العرب العديدة رأي عام قادر على آن يضغط على السلطة والإدارة لتصويب أوضاعهما وأطرهما على الحق كما جاء في الحديث النبوي الشريف؟، هل فشل العرب في إيجاد قوه عسكرية مسلحة قادرة على حماية حدود العالم العربي من الغزو والاختراق وقادرة على منع الطامعين في ارض العرب من احتلال أجزاء منه، وطرد أبناء الوطن في الآفاق؟.

هذه المسألة وغيرها من حق المواطن من أبناء الشعوب العربية ان يعرف جوابها، أم أنه لا يراد للعربي أن يعرف الحقيقة ويطلع على ما يحدث في المنطقة العربية من أحداث دامية تقتل من أبناء الأمة مئات الألوف، وتدمر المدارس والمستشفيات وكل عناصر الحياة وتنشر الكوارث على أوسع نطاق.

وتجعل عصابات غاشمة تحتل أجزاء من الدول العربية وتزحف بعصاباتها المسلحة على الأرض شمالا وجنوبا، شرقا وغربا دون ن نجد الحد الأدنى من المقاومة، عصابات تحتل أراضي وتقتل بشرا ويصرخ الإعلام العربي أن العدو لم يحقق أهدافه من احتلاله لمساحات واسعة من الأرض العربية، لأن العدو الغاشم كان يريد إسقاط الأنظمة العربية الثورية الاشتراكية الديمقراطية، ولكنه لم يتمكن من إسقاطها؛ لأن قواتنا محافظة على مكاسب الثورة وإن خسرنا أجزاء من الأوطان وتشرد الآلاف من أبناء الأمة العربية؛ فالعدو بحمد الله لم يحقق أهدافه ما دامت النظم الثورية تتحكم في رقاب الناس .

حقيقة لا ينكرها أحد، أن كوارث كثيرة وكثيرة جدا، حلت بالعالم العربي ودوله في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وما ذكرته أعلاه يسير من الكوارث التي نكبنا بها، لكن لماذا نكبت الأمة بهذه الكوارث؟ وما زالت الكوارث تتواصل.

ان سبب الكوارث في العالم العربي غياب النقد السياسي وإعدامه، والنقد السياسي هو المبني على العقل والخلق الملتزم بالنزاهة والمسؤولية والأمة التي تمارس النقد السياسي ولا تحارب الرأي الآخر يساعد ذلك على التقدم والتطور، ويجعل صاحب القرار قبل أن يقدم على قراره، يراجعه وربما يعدل عن اتخاذه، أو يقوم بتعديله وإعادة النظر فيه؛ لتصويبه حتى لا يقع الخلل وما يترتب على اتخاذه من مشاكل وأزمات هي الأمة الناهضة والمتقدمة.

ان الذي يعارض وينتقد، ليس مشاغبا ولا هداما بل يريد قراراً يحقق المصلحة العامة ومبنيا على علم ومعرفة، واحتمال الخطأ فيه ضعيف أما الذي يجامل ويداهن وينافق لصاحب القرار، هو الذي يخرب ويسيء لصاحب القرار بنفاقه ومدحه، والأولى أن يبين الخلل والخطأ، وان القرار غير المدروس يدمر ويهدم، وهذا ما حصل ويحصل في العالم العربي حيث غاب النقد السياسي وتوطن الرأي الواحد والاتجاه الواحد، وهذا سبب كوارث الأمة العربية 1967 وما تلاها من كوارث في مصر وسوريا وليبيا والعراق واليمن ودول أخرى ادعى حكامها أن الحق معهم والرأي لهم، أما الشعوب فلا وزن لها ولا إرادة .

النقد السياسي، كما يقول أنصار الحرية بجعل المواطن يعرف الصح ويتبناه ويعرف الخطأ ويبتعد عنه، وفي حديث شريف أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال “لا يكن أحدكم إمعة فيقول أنا مع الناس ان أحسنوا أحسنت وان أساءوا أسأت ،وهذا يعني أن على الإنسان أن يوطن نفسه على قول الحق ومعرفته، ويعرف الباطل والخطأ ويتجنبه، ويتحقق ذلك بالنقد السياسي الذي يكشف الخطأ ويفنده، وهذا ما تريده الأمة الحرة؛ معرفة حقيقية والواقع ولا شيء غير ذلك.
إلى اللقاء في مقال الحياة النيابية لتفادي الكوارث يا … عرب.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى