
الاقتصاد في الحواس ..كيف ولماذا؟
يمتلك الناس الاسوياء حواس خمس؛ وبعضنا يعتقد بأن لدية حاسة سادسة ولا ضير في هذا الاحساس؛ خصوصا وأن رشاقة هذه الحواس هي من معالم صحتنا الحقيقة؛ مثلما هي ادواتنا كبشر للتواصل مع الاخرين والتلذذ بمتع بالحياة معهم وعبرهم لاننا شركاء في انسانيتنا غير المكتملة بالتأكيد؛ لكن الذي يُهدد فعالية ورشاقة هذه الحواس باعتقادي في كثير من الاحيان؛ هو الإكثار بما نُحملِه عليها وفيها طوعا من”الداتا” غير الضرورية لنا ان فكرنا بهذا الواقع فعلا ؛وتصل هذه المخزونات الهشة بحواسنا حد التخمة عند البعض منا؛ فتغدو حواسنا واحاسيسنا معا مرهقة باللاجدوى الوظيفية من تلك الموضوعات غير الاساسية لنا كأشخاص في الواقع؛ لا بل ان الكثير من الموضوعات والاسماء والقصص والفضول التي ادمنا اجترارها قد تقادم مضمونه وانعدمت فاعليته التأثيرية في حياتنا افرادا ومجاميع؛ ولم يعُد هناك ضرورة لنا للاحتفاظ بها في دواخلنا ومستودعات ذاكرتنا؛ أذ غدت تُشغِل الكثير من مساحات تفكيرنا وانشغالاتنا العبثية فعلا بالأخرين ؛والاصعب مما سبق؛ هو ان نراكمها أو نكدسها بدواخلنا فكرا او مرجعيات قصصية او حِكم خاوية المعاني رغم ادراكنا المسكوت عنها؛ بأنها قد تآكلت لقِدمها ، ورغم انها في الواقع العلمي واليومي تُشغلنا وتستنزف طاقاتنا بعبثيتها؛ وتششت وعينا لكثرة اجترارانا لها ودون فائدة معاصرة منها للأسف ؛ ومع هذا نُصر رغم انتشار القيم الفردية بحياتنا المعاصرة على الاحتفاظ بها ؛وهذا ما يجعل حواسنا متثاقلة الحركة وغير رشيقة او متجددة ؛بأختصار كثيف “بليدة” أمام حيوية تمتعنا في المبادرات او معاني الجمال والابداع في كل شيء؛ وحتى في انسداد شهيتنا عرباً ومسلمين في ندرة تذوقنا للألوان ولغات ودروس الطبيعة وطبائع غيرنا من البشر والامم الاخرى،
فهي معيقة للتفاؤل؛ كما انها قاتمة المحتويات والمواقف من الاخرين الذين استنفذنا قوانا ونحن نستغيب بهم؛ ونفكر نيابة عنهم وكأن المطلوب بدواخلنا واحكامنا نحوهم هو ان يكونوا مثلنا تماماً؛ غافلين نحن هنا بأننا نأسر انفسنا بما لا يعنينا من طرائق تفكير وتصرفات الأخرين والتي تختلف فعلا عن انماط تفكيرنا او حتى تصرفاتنا نحن في تعاملنا او انتقاداتنا العبثية كمثال لكل من “الابناء،
الاصدقاء،الجيران،
الاقارب..الخ ؛
و هذا ما يولد بدوره القلق غير المنطقي لدينا نحو كيفية تصريفهم لشؤونهم هم، وهذا ليس شغلنا نحن بالأصل؛ ومن هنا تبداء المشاكل والصراعات والحروب المختلفة معهم سواء اكانوا افرادا وجماعات او حتى دولا ؛ لابل تغدو حواسنا في ظل هذا الواقع المُر والمرهِق لنا كأفراد رديئة التوصيل والتواصل مع التفاؤل بالمستقبل و مباهج الحياة الواجب ان تكون اولوياتنا المطلقة فيها.
أخيرا ؛ أنا مؤمن وعياً وطرائق تصرف يومية بأن ليس لديّ فائض حكمة كي أُعطيه للآخرين؛ وبهذا اقتصد واستثمر جيدا في حواسي بصورة تجعلني مؤمنا بأن الاخرين ليسوا انا؛ وأن علي ان احترم التعدد الفكري والحياتي الارحب السويّ منه او غير السوي؛ وهذا ربما ما يُعطي لحواسنا خاصية الاعجاب بذكاء او غباء الآخرين وللحياة مداها المطلق في فهمي لمبرر اختلاف الشعوب والقبائل الواجب التعارف معها وقبول اختلافها عنا على مسرح هذا العمر القصير ؛فلو كان الجميع عقلاء او متطابقي التفكير والتفسير والاطعمة لأُصِبنا بنقرص الروتين الفكري ترابطا مع استبعادنا الضمني لبهجة التعدد ولذاذها الكثيرة؛ فمن يقتصد في استخدام حواسه بما هو مفيد وماتع له اولا سيتفهم بالضرورة خيارات الاخرين المختلفِة عنا؛ وسيريح ويستثمر في وعيه ايضاً بكل ما جديد واهم له كل في اختصاصه ..فهل نحن مقتصدون بحواسنا ام مُرهقين لها بالعبث دون عائد فعلي يمكن ان نجنيه ان بقينا مستهلكين لهذه الحواس النعمه بكل ما لا يفيد؟.
*جامعة مؤتة وعضو مجلس محافظة الكرك”اللامركزية”.
