التهافت القانوني في زمن الكورونا

التهافت القانوني في زمن الكورونا … عندما نبحث عن مهرب من الوفاء بالالتزامات التعاقدية.
المحامي الدكتور محمد الشبلي العتوم – جامعة جدارا – كلية القانون.

قال الله جلَّ وعلا:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ” صدق الله العظيم.
لقد خاطب الله سبحانه وتعالى بهذا الخطاب المؤمنين، حيث نفهم بلغتنا البسيطة جانبين ان على المؤمنين الوفاء بالعهود. والعكس صحيح ان الوفاء بالعهود يكون من خصائص المؤمنين.
حتى لا اطيل بالمقدمات إن ما اريد الحديث عنه في هذه السطور انني ومنذ بداية أزمة فايروس كورونا المستجد وأنا اتابع كغيري مواقع التواصل الاجتماعي، ومنها العديد من الصفحات التي تعنى بالشأن القانوني والتي انهل منها الكثير من الفوائد. إلا أن ما شدني اليه الانبتاه كثرة الحديث في الآونة الأخيرة عن موضوع الالتزامات التعاقدية.
لقد عجت صفحات التواصل الاجتماعي بنقاشات قانونية كثير منها ينصب على موضوع الالتزامات التعاقدية في فترة الوباء. فما أن مضى على هذه الأزمة سوى بضعة أسابيع حتى بدأت الأقاويل والتحليلات والاستشهادات القانونية استناداً إلى مبدأي القوة القاهرة والظروف الطارئة كأساس قانوني لعدم الوفاء بالالتزامات التعاقدية وأحياناً الاستناد الى قانون الدفاع. حيث لاحظت ميول كثيرة لافتراض أن ما نشهده من أزمة بسبب التخوف من انتشار فيروس كورونا قد يكون سبباً لعدم الوفاء بالالتزامات التعاقدية. إلا أن ما نشهده ليس بانتشار للوباء لأنه وبحمد الله وفضله وبالجهود المميزة التي باشرتها الحكومة في ادارة هذه الازمة لم نصل الى مرحلة تفشي الوباء والخطر الداهم، وكل ما هنالك عبارة عن تخوف من الانتشار واجراءات احتياطية منقطعة النظير لمواجهة هذه الازمة التي عجزت دول عظمى عن ادارتها.
لست هنا بصدد مناقشة الجانب القانوني بقدر ما أنني اريد التذكير بما عليه ديننا وأخلاقنا. لقد كشفت الازمة عن جوانب ايجابية في حياتنا تكمن في التكافل الاجتماعي بين الغني والفقير والمعوز. الا ان هذا التكافل سرعان ما ينهار أمام محاولات التنصل من الوفاء بالالتزامات التعاقدية خاصة دفع الاجور وغيرها.
انا لا انكر موضوع الظروف الطارئة والتبني التشريعي له فهو من الفقه الإسلامي أيضا، لكن ما اريد الوصول إليه أن للظروف الطارئة تفسيرات ومضامين قد تنطبق على الكثير من الالتزامات التعاقدية، لكن ليس لدرجة ان تشمل كل العقود بما فيها عقود الايجار ذات الخصوصية، فإذا كانت الظروف الطارئة قد تمنع من دفع الاجرة، فإنها في ذات الوقت قد تمنح صاحب العقار الحق بفسخ العقد وبالتالي لزوم اخلاء المستاجر للعين المؤجرة لتأجيره لغيره. وجميعنا يعلم أننا ننتفع بالعقار المؤجر سواء وقت الأزمات أم غيرها، فمن جهة بيوت السكن فنحن نقطنها وننتفع بها، أما العقود التجارية فأيضا ننتفع بها حتى لو مضى فترة من الأزمة منعت الحكومة فيها مباشرة بعض المهن، كونها تحوي مستلزمات العين المؤجرة وغيرها من مواد للمستأجر.
ان هذا التوجه يعد أمرأً جدلياً، وقد يضر المجتمع بدلاً من أن يخدمه، فقد يعود بالضرر على ملاك العقار، وقد يمنحهم الحق بمطالبة الحكومة فورا لإخلاء العقار وعند تعذر الإجراءات بسبب عطلة المحاكم فله الحق بمطالبة المستأجر والحكومة بالتعويض وليس الأجور وفقاً لقانون الدفاع وللمبادئ العامة.
ان اصحاب العقارات ولست هنا بصدد الدفاع عنهم قد يكونوا اثرياء لا يتأثرون بعدم دفع الاجرة، مع أنه من حقهم ذلك – لهم أن يتكافلوا مع المجتمع ونحثهم على ذلك إن أمكن – وهناك من لديه عين مؤجرة تعتبر بالنسبة له الحيلة والفتيلة على رأي المثل، فيعتاش منها ويأكل من دخلها خبزه اليومي.
بالتالي فإن دافعنا للتكافل يجب أن لا يعمي بصيرتنا عن حقوق الناس الاخرى. ولا يجب أن نتوسع في تفسير الازمة، وألا نشطح بأفكارنا في تفسير ارهاق الوفاء بالالتزام ليمتد الى أبسط الامور. واقتبس هنا مقتطفات من الارادة الملكية التي اعلن بموجبها العمل بقانون الدفاع: “أوجه الحكومة بأن يكون تطبيق قانون الدفاع والأوامر الصادرة بمقتضاه، في أضيق نطاق ممكن، وبما لا يمس حقوق الأردنيين السياسية والمدنية، ويحافظ عليها، ويحمي الحريات العامة والحق في التعبير، التي كفلها الدستور وفي إطار القوانين العادية النافذة، وكذلك ضمان احترام الملكيات الخاصة سواء أكانت عقارا أو أموالا منقولة وغير منقولة”.
مطلب آخر أوجهه للحكومة حول هذه الازمة حتى لا نقع في اشكاليات ومطبات في مرحلة ما بعد الازمة، واغراق المحاكم بكم من القضايا التي قد ترفع على أسس واهنة كبيت العنكبوت، أن تقوم بتوضيح هذا الجانب بالطريقة القانونية التي تراها مناسبة.
ختاماً، أدعو الله الخلاص من هذه الأزمة بأسرع وقت دون خسائر لمختلف الاطراف والحكومة، وأن نكون قد اكتسبنا في هذا الوقت العصيب مفاهيم جديدة من التكافل والتضامن وحب الخير والعودة الى الله . وحمى الله الاردن.
والله ولي التوفيق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى