
الجامعات ليست قلاعاً مغلقة: بين ترشيد الإنفاق وحماية الدور الوطني للتعليم العالي
بقلم: الدكتور محمد تركي بني سلامة
في ظل الظروف الاقتصادية التي تمر بها الدولة، لا يختلف اثنان على أهمية ترشيد الإنفاق الحكومي وضبط النفقات العامة، باعتباره نهجاً وطنياً مسؤولاً يهدف إلى حماية المال العام وتعزيز كفاءة الإنفاق. ومن هذا المنطلق جاء تعميم دولة رئيس الوزراء بشأن ترشيد الإنفاق الحكومي، والذي شمل الوزارات والمؤسسات الرسمية والهيئات العامة والجامعات الرسمية، متضمناً وقف السفر الرسمي والوفود واللجان الخارجية لفترة محددة، إلا للضرورة القصوى وبموافقات مسبقة.
ورغم وجاهة الهدف الذي يسعى إليه التعميم، فإن تطبيقه على الجامعات الرسمية بصورة حرفية يثير العديد من التساؤلات، خصوصاً أن الجامعات ليست دوائر حكومية تقليدية، بل هي مؤسسات وطنية مستقلة مالياً وإدارياً بموجب القانون، وتتمتع بطبيعة عمل مختلفة تماماً عن باقي المؤسسات الحكومية.
فالجامعة ليست مجرد مبانٍ وقاعات تدريس، وإنما منظومة علمية وبحثية متكاملة ترتبط بعلاقات أكاديمية وعلمية دولية واسعة، وتقوم رسالتها على الانفتاح والتواصل وتبادل الخبرات والمعارف. ومن غير المنطقي أن يُطلب من الجامعات أن تتوقف عن المشاركة الخارجية أو السفر الأكاديمي لمدة عام كامل، وكأنها قلاع مغلقة لا يدخلها أحد ولا يخرج منها أحد.
إن المؤتمرات العلمية الدولية، واجتماعات المشاريع البحثية الممولة خارجياً، وبرامج التبادل الأكاديمي، وورش العمل المتخصصة، واللقاءات مع الجامعات والمؤسسات الشريكة، ليست أنشطة ترفيهية أو نفقات يمكن الاستغناء عنها بسهولة، بل هي جزء أصيل من عمل الجامعات ومن أدوات تطويرها وتعزيز تصنيفها الأكاديمي وسمعتها العلمية. كما أن العديد من هذه النشاطات ترتبط بالتزامات تعاقدية ومواعيد زمنية محددة لا يمكن تأجيلها لعام كامل دون أن تتعرض الجامعات لخسائر علمية ومؤسسية وربما مالية أيضاً.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس الاعتراض على مبدأ الترشيد، بل الدعوة إلى تطبيقه بقدر من المرونة والحكمة التي تراعي خصوصية مؤسسات التعليم العالي. فترشيد الإنفاق لا يعني تجميد النشاط أو تعطيل المصالح أو إضعاف الحضور الأكاديمي الأردني على الساحة الدولية، وإنما يعني توجيه الموارد نحو الأولويات، والتأكد من أن كل نفقة تحقق قيمة مضافة حقيقية.
ولذلك، فإن الوضع الطبيعي يقتضي أن تبادر الجامعات الرسمية، من خلال مجالس أمنائها وبالتنسيق مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، إلى مخاطبة دولة رئيس الوزراء لطلب آلية استثناء واضحة ومنظمة للأنشطة التي تفرضها طبيعة عمل الجامعات. ويمكن أن تشمل هذه الاستثناءات المؤتمرات العلمية المعتمدة، والمشاريع البحثية الدولية، والاجتماعات المرتبطة بالاتفاقيات الأكاديمية، والبرامج التي تحقق عائداً علمياً أو مالياً للجامعة والدولة.
كما أن هناك جانباً آخر لا يقل أهمية، وهو أن القرارات الإدارية الاستثنائية قد يتم تمديدها أو تجديدها مستقبلاً وفقاً للظروف الاقتصادية. لذلك فإن بناء آلية مرنة من الآن سيمنع وقوع الجامعات في حالة من الجمود المؤسسي إذا ما استمرت إجراءات الترشيد لفترات أطول. فالجامعات تحتاج إلى قواعد واضحة تسمح لها بالاستمرار في أداء رسالتها الوطنية دون الإخلال بمقتضيات الانضباط المالي.
إن الأردن بنى سمعته العلمية والأكاديمية على مدى عقود من خلال جامعاته وكوادره البحثية وعلاقاته الدولية الواسعة. والحفاظ على هذه المكانة يتطلب الموازنة بين متطلبات الاقتصاد الوطني وضرورات التطور العلمي. فلا أحد يرفض ضبط الإنفاق، ولا أحد يدعو إلى التوسع غير المبرر في النفقات، لكن في الوقت ذاته لا يجوز أن تتحول سياسات الترشيد إلى قيود تعطل دور الجامعات أو تحد من قدرتها على المنافسة والتفاعل مع العالم.
إن الحكمة تقتضي أن يكون الشعار اليوم: ترشيد الإنفاق نعم، ولكن دون الإضرار برسالة الجامعات ودورها الوطني. فالمرونة مطلوبة، والمسؤولية مطلوبة، والتوازن بينهما هو الطريق الأمثل لحماية المال العام وحماية مستقبل التعليم العالي في الأردن في آن واحد.

