
أسود وأبيض
كثيرا ما يخطر ببالي مشهد “سرحان عبد البصير” الساذج الذي يقف أمام قاضي الجنايات لأول مرة ليشهد على ما لم يره حقا، مبهوت شاحب يرتعد خوفا.. يحاول القاضي استخراج أي عبارة مفيدة من تلعثمه.. دونما فائدة، وحين يبدأ أخيرا في الكلام تأتي شهادته مموهة يناقض فيها كل حرف الحرف الذي يليه، فيقول القاضي كلمته الشهيرة التي سترسخ في ذهن المشاهد إلى الأبد:
– إجابتك لازم تبقى واضحة ومحددة، يا ابيض يا اسود !!
وقديما سئل الحكيم “وائل” نفسه كاتب المقال:
– أين يمكن أن ترى التناقض مجسدا بين الأبيض والأسود؟
فهز هذا رأسه في حكمة السنين ونفث دخان سيجارته مغمغما:
– فقط في موقعين.. رقعة الشطرنج ومنصة العروسين..
لا بأس بهذا الرأي المقفّى أبدا بشكل مبدئي..!
دعونا من الشطرنج.. هي لعبة لا تستسيغها نفسي التواقة إلى العجلة أبدا، هذه لعبة جديرة بمتقاعد أرمل يطمئن إلى توطن أولاده وبناته في بيت “العَدَل”، وينتظر فقس بيوض الأحفاد بصبر، أما أنا فسأقتل جنودي بنفسي وأشرع أبوابي على اتساعها لـ”يكشّ” خصمي بيدق الملك براحته توفيرا للوقت..
منصة العروسين مكان موحٍ بحق.. هو التناقض الذي يرفل في ثوب لا يناسب مقاسه أبدا… الفرح!!
أنظر إلى أية منصة مزدانة بالورد والشيفون الأبيض في إشارة إلى حياة مملوءة بالورد والشيفون الأبيض يتمناها صاحب صالة العرس للعروسين، دعك من التفاصيل الصغيرة وركز أكثر في محط أنظار المدعوين.. نعم.. أعني العروسين طبعا.. ماذا ترى؟!.. نعم عروس ترتدي الثوب الأبيض الذي باعت لأجله صديقات عمرها اللاتي خيّل لها أنهن يحسدنها، وبجانبها عريس يرتدي بدلة سوداء تلمّع أمه كتفيها كل خمس دقائق.. فيما يتأفف هو من ربطة العنق التي لم يعتد على عقدها حول عنقه كأنه حصان يخشى صاحبه سرقته، هذا تناقض آخر يكشف لك مدى تفاؤل كلا الجنسين بالزواج وبناء أسرة سعيدة، لكن كيف وأنتما متناقضان من الليلة الأولى؟!
وحين يقبض صاحب الصالة آخر دفعات خدماته ويودع البائسين، يصرخ في العاملات في الصالة أنه: “فركش”.. وهو يعد نقوده ليطمئن إلى حصيلة اليوم.. ثم ينسى كل شئ عن الملاكين الذين رفرفا في سماء صالته الليلة..
تبدأ أولى تباشير التناقض مع أول خيوط شمس “الصباحية”.. لا تفغر فاهك دهشة.. فليس بالبيت سوى حمام واحد سيضطر الأقل حظا بينهما أن ينتظر طويلا ريثما يكمل الآخر طقوس الصباح، وإذا كان الأقل حظا عريس متفائل ينتظر بفروغ الصبر رؤية نفسه على المرآة كيف يبدو بـ”بيجامة” العريس الساتان اللامعة.. فتلك مصيبة!!
تبدأ العروس بالإعداد للعش الجديد، ستقطّع الدجاجة كما أوصتها أمها إلى نصفين.. وستطهو نصفا كل يوم لأن العش الصغير لا يحوي سواها هي والشملول الآخر، الكارثة الحتمية تأتي حين تكتشف هذه تشابه ذوقها في الدجاج مع ذوق زوجها حديث العهد، إذا كنت لا ترى أن الاقتتال على فخذ الدجاجة قديم قدم الدجاج نفسه.. فهذا شأنك!!.. حتى التشابه في الذوق قد يصنع تناقضا كما ترى، هذه حقيقة عليك ابتلاعها مع قرص “النيتروجليسرين” كي تحافظ على استقرار نبضات قلبك.. التعاطي مع الزواج يتطلب ما هو أكثر من مجرد قرص أبيض!!
يتوالى التناقض مع الأيام كاشفا للإثنين معا مدى حمقهما، الأول حين طلب.. والثانية حين وافقت، هو يهوى الصمت فيما هي تثرثر بلا انقطاع، هو يحب التدخين.. وهي دائمة الشكوى من التدخين السلبي، هو يحب السهر خارج البيت مع رفاقه.. وهي تحب التحقيق في مجريات الخروج بدءا بعدد رفاقه وانتهاءً بحالاتهم الاجتماعية، هو يفضل قناة المباريات.. فيما هي لا تتزحزح عن قنوات الدراما التركية، هو يحب البيض ناضجا فيما تفضله هي أومليت (ملحوظة الكاتب: الله يرحم جدك، كان يفكر الأومليت لزقة ظهر)..
هكذا حتى يبدأ هو في الشكوى لأصدقائه من حماقة قراره.. ثم من حظه النحس إذا ما أخبره أحدهم أن تلك الأشياء لا تحصل معه، طبعا ينسى في غمار الندب ولطم الخدين أن صديقه لم يكذب.. هو لا يعاني من كل هذا لأنه لم يتزوج بعد!!.. فيما تنقل هي لأمها ما يجري معهما من الخيط الأبيض إلى الخيط الأسود.. عندها يبدأ كيد “الحموات” الجميل الذي يقفز بـ”ماري منيب” و “إسماعيل يس” إلى الذاكرة من جديد!!
قال لي صديق بائس آخر مرة:
– أيام الخطوبة هو يحكي وهي تسمع، وأيام الزواج هي تحكي وهو يسمع، بعد سنة من الزواج هما يحكيان معا والجيران يسمعون..!
وتمضي الأيام بين شد وجذب.. حتى تحين لحظة الحقيقة المرة، فيوكل كلاهما محاميا له ذات صفات وملامح صاحب الصالة “هل تذكرونه؟؟”، يبدأ هذا يترافع وهذا يدافع.. ثم يرحلان وهما يعدان آخر دفعة من أتعابهما ليطمئنا على حصيلة اليوم، فيما يعود المدعيان إلى بيتي أبويهما ثانية، مع ورقة أخرى تثبت أن الحلم الجميل مهما طالت فصوله فمصيره للتبخر مع أول أنفاس الاستيقاظ صباحا..
يقول العريس الغرّ موليا ظهره لمبنى المحكمة الحكومي المقبض: “إنتقينا بدلتي السوداء وفستانها الأبيض معا.. فكيف نفترق؟!”
أبيض وأسود.. أسود وأبيض.. المهم أنني لا زلت أكره رقعة الشطرنج كالجحيم !!
ملحوظة أخيرة: قد تصلح أغاني “عبادي الجوهر” للتعبير عن الجروح والألم لدى الطرفين لأيام كثيرة، في النهاية سيغرد العندليب “حليم” في غرفتيهما ثانية حال وقوع كلٍ منها في حب جديد هذه المرة، سيتنهدان معا في توقيت يحسدهما عليه المخرج الدقيق “يوسف شاهين”، ثم يقولون معا في اتفاق عجيب: “ربما تكون هذه المرة مختلفة” !!
______________________________________
يتبع…

