الاصابات
313٬557
الوفيات
4٬137
الحالات الحرجة
157
عدد المتعافين
297٬245

نقرأ التاريخ كما نُحب / كمال عفانه

نقرأ التاريخ كما نُحب

عندما نُعلم ابناءنا التاريخ بالرؤيا اللتي توارثناها دون إمكانية مناقشة الخوض في البحث عن مدى صحتها او على الاقل التحقق من نتائجها … لاننا تعلمنا دوماً اننا قد توارثنا تاريخاً مُنقّحاً لا تشوبه شائبه.. ولا ينقل الا الحقائق .. وعندما كبرنا علمنا ماهيّة الطريقه اللتي يُكتب تاريخنا ويُنقل الينا بالرغم من كل وسائل الإتصال والحفظ .. فعلى سبيل المثال فقط وليس حصراً .. جريدة الاهرام المصريه تقوم بدفع مبلغ لا بأس لفنيي المونتاج لتُبدّل مكان الرئيس المخلوع في إحدى الصور المنقوله له اثناء زيارته لواشنطن لأن اوباما كان يتقدّمه في الصوره وهو كان في آخر الصوره مع مجموعة زعماء .. الى هذا الحد من التفاهه هو إعلامنا فهل سنُصدّق بعدها اي شئ تقوله هذه الوسائل مهما جلّ امره وامرها وعلا … وهل سنثق بكل ما يُؤرشفه او ينقله لنا …..دعونا نعد الآن لموضوعنا عن تاريخ يكتب بطريقة مثالية ويشذب بطريقة تجعله أقرب للأسطورة .. بل أعتقد ان نسبة تحوله إلى كارثةٍ مستقبلية ترتفع كلما اقترب من المثالية – أو كُتب بطريقة أسطورية – لأن أبناءنا سيحاولون تكراره بنفس السيناريو الخارق الذي كُتب فيه !!

.. خذ عندك مثالا ًعن أعظم معاركنا في التاريخ لتكتشف وجود مبالغات غير منطقية مثلاً بخصوص قلة عدد المؤمنين مقابل جيوش الكافرين.. وحين كبر أبناؤنا على هذه المبالغة (التي أوصلها بعض المشايخ الى واحد ضد عشرة) وعندما حاولوا تطبيقه في أفغانستان والعراق فوجئوا بصلابة الجندي الأمريكي وتسلح الجندي الروسي – ناهيك عن إبادتهم بطائرات بلا طيار وصواريخ تأتي من الطرف الآخر للأرض …!! اي ان بطولاتنا الوهميه لم تعد تصلح لكل مكان وزمان

ولهذا عرف خالق البشر مدى ضعفنا وقلة حيلتنا واخبرنا بأن أقصى نسبة يصلها الصابرون منا في القتال ضد اعداءنا هي واحد الى اثنين فقط فقال تعالى “الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلمَ أَنَّ فيكُمْ ضَعْفًا فَإن يَكُن مّنكُم مّائَةٌ صَابرَةٌ يَغْلبُواْ مئَتَيْن وَإن يَكُن مّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلبُواْ أَلْفَيْن بإذْن اللَّه”!

.. والمبالغة في الشجاعة هي مظهر واحد فقط من مظاهر تشذيب التاريخ وتقديمه بصورة خارقة تخالف قوانين الصراع المادي.. أيضا محاولة هناك إضفاء الطابع الإعجازي والتدخل الإلهي بطريقة تضمن نصرتنا في الوقت المناسب… ولكن الحقيقة هي أننا خُلقنا في عالم واقعي يتطلب إعدادات مادية و تجهيزيه من قُوَّةٍ وَمن رّبَاط الْخَيْل نُرهب به عَدُوَّ اللَّه وعدونا وأن المصطفى صلى الله عليه وسلم أخذ بالأسباب المادية وراعى القوانين الأرضية في جميع المواقف – وخذ مثالاً على ذلك حين اختفى عن كفار قريش في غار ثور والاختفاء بحد ذاته هو واقع طبيعي تصرّفه عليه السلام بدون الإنتظار لأي معجزةٍ ربّانيه تُنجيه او حدث خارق يحميه لانه كان حببب الله وسيد الخلق وإن كانت جزء من المعجزه قد حصل بخيوط العنكبوت وبيض الحمام واللتي قد نجد ان الكثيرين يقولوا ان راوية بيض الحمام والعنكبوت هي من صنع السلفيين … أيضا هناك مشكلة ثالثة تتعلق بمحاولة إضفاء الكمال وإخفاء الجانب السلبي من أحداث التاريخ.. لماذا نخبر اولادنا وطلابنا فقط بمقتل عثمان بن عفان ونتجاوز الأسباب التي قادت لذلك وحقيقة أن من قتلوه كانوا من أبناء الصحابة والتابعين … وهل نُصبح كفاراً إذا خضنا في الأسباب الحقيقيه لقتله ..؟!

لماذا نخبرهم فقط بأمجاد الدولة الأموية وفتوحاتها العظيمة، ونسكت عن إبادة يزيد بن معاوية لأهل المدينة، أو قصف الكعبة بالمنجنيق زمن عبدالملك بن مروان ..؟! هل نجرؤ مثلاً ان نوجّه اصابع الإتهام الى معاويه في قتل ام المؤمنين عائشه وشقيقيها لعدم تأييدها بتولّي يزيد الحكم من بعد معاويه …؟!

لماذا هذا الغموض بخصوص مأساة كربلاء وقد قتل فيها أحفاد المصطفى صلى الله عليه وسلم وسبيت فيها نساؤهم الطاهرات (هل تعتقدون مثلا أن الشيعة كانوا موجودين في ذلك الوقت…؟ أو أن الفرس الذين تشيعوا قبل 500 عام فقط كان لهم دخل في الموضوع..؟

لماذا نتحدث بمثالية فقط عن فتح الأندلس وشجاعة طارق بن زياد في إحراق السفن ونخفي عنهم أنه عُذب وسجن ومات متسولاً لأنه أصر على تسليم السبايا الأسبانيات للخليفة الوليد في دمشق شخصيا دون دخالة موسى بن نُصير فقام موسى بالإنتقام منه وعذبه ورماه في حواري دمشق متسوّلا حتى مات مُعدماً امام مساجدها.. !! ..
لماذا تناقلوا في كل روايه ان هند بنت عتبه هي من خططت لقتل حمزه في أُحد …والواقع كما اورده الطبري ان صقر قريش كان رأسه مطلوباً لثأرً لقتله طعيمه عدي بن الخيار ايام الجاهليه ولم يَساوِ الامر مع اهله فطلبوا راسه سداداً لرأس ابيهم وهم من استقدموا حبشي و بتكليفٍ من شخص اسمه جبير ابن مطعم .. إذاً هند بنت عتبه هي بريئه من دم حمزه كما حمّلها التاريخ ولم يرد في اي صحيح للروايه انها مضغت كبد حمزه وانها تلاسنت مع الرسول بهذا الخصوص.. وكما ترون احبائي نحن فقط نروي ما نرغب توارثا ونتحاشى ذكر الجانب المبتور في تناقل روايات التاريخ اللذي يتضمن العبرة الحقيقية والمأساة المتوقعة في تاريخ البشرية ..

وأنا هنا لا أطالب سوى بإكمال القصة واستعادة الجانب المأساوي الذي تم حذفه.. لا أطالب سوى بتدريس التاريخ كما حدث وليس كما نرغب نحن بحدوثه.. فإن أردت التعلم من التاريخ فعليك بتعليمه لأبنائك بحسناته وسيئاته..

وإن أردت منهم احترامه فلا تحوله الى أسطورة مثالية كما يروق للراوي او لنا ثم يكتشفون هشاشة رواياتنا وكذبنا لاحقا ..فيشتمونا في قبورنا بدل الترحّم علينا … واذا اردنا عدم تكرار أخطاء الماضي فلفعل مثل ألمانيا في الحاضر حين اعترفت بفظائع العهد النازي وأصدرت قوانين تمنع تكرار ما حدث وتولي الحركات المتطرفة للسلطة … فالتاريخ المثالي لا يتضمن عبراً من أي نوع .. أما التاريخ المأساوي فهو من يرشدنا فعلاً إلى المستقبل المثالي…
وانتم ترون ما نمر به من نكسات .. وعليكم فقط تذكّر ان النظام السوري اللذي صنع من الإنقلاب على شرعية السلطه السنيه في سوريا بالسماح للاقليه العلويه بتولّي الحكم واعتبروه عيداً قوميا اكثر من اعياد الاسلام واطلقوا عليه اسم ثورة تشرين التصحيحيه .. وكأنّ الإنقلاب على الشرعيه اصبح هو المسار التصحيحي اللذي نُطبّل له ونُزمّر…

لماذا لا نعترف بوحشية التعارك الدموي على السلطه بدءاُ من تعليق رأس حفيد ابي بكر على ابواب مكه و امه وجده اللذان كان لهما فضل كبير في تزويد الرسول بالزاد والماء اثناء إختباءه من المشركين في غار حراء وبعدها ما قام بها جده عليه الرضى في محاربة المرتدّين ولم يعفه لقب والدته بذات النطاقين من الذبح .. ولنسنتذكر ايضاً الغدر القذر اللذي تمّ به ذبح العباسيين للأمويين لسلب السلطه ..وكما صفّقنا للامويين صفّقنا للعباسيين من بعدهم .. فضاعوا واضاعونا بعد عزّ وجاه وسيطره فقيل لآخرهم ابي عبيد الله عام 1492 من قِبِل والدته عائشه الحره … إبكِ كالنساء مُلكاً لم تحافظ عليه كالرجال …

دعونا نقرأ التاريخ كما هو لا كما نحلم نحن ان يكون ..

ملحوظه …

كل ما ورد تاريخياً من بطون كتب التاريخ الإسلامي مثل الطبري وابن كثير ولا دخل لأي مؤرخ شيعي فيما ورد Kamalafaneh@yahoo.com

اظهر المزيد

تعليق واحد

  1. “دعونا نقرأ التاريخ كما هو لا كما نحلم نحن ان يكون ..

    ملحوظه …

    كل ما ورد تاريخياً من بطون كتب التاريخ الإسلامي مثل الطبري وابن كثير ولا دخل لأي مؤرخ شيعي فيما ورد ”
    – وكذلك يجب إعتبار صحة الأسانيد في الروايات في تاريخ الطبري وما أورد إبن كثير, وهذا ينطبق على ما تداولنا وعلى ما أوردت أنت من روايات أخرى للحدث.
    – أخذ الشيعة من تاريخ الطبري ما يناسب رواياتهم وتركوا, كذلك دون إعتبار لصحة الأسانيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى