الفـن في زمـن الكـورونا

الفـن في زمـن الكـورونا
د. قــدر الدغمــي

دائما في الأزمات يكون هناك مخرج للطوارئ للتخفيف عن معاناة الناس وآلامهم ، لذلك الكل يأمل أن يكون الفن أحد هذه المخارج وهو الملاذ الأخير الذي نفر إليه الناس كي لا يقتلهم التفكير بما حل بالكرة الأرضية من وباء شرس أودى بحياة الملايين من البشر على حين غفلة.
فالفن كحقل للتميز والإبداع يظهر في هكذا أزمات ولا بد له أن يكون تقدميا وسابقا لعصره، وهو الذي قدم عبر التاريخ للبشرية أزهى أمجاده، فالفن معروف عنه أنه لا يحفل كثيرا بالأزمات بل على العكس يتفوق عليها ويتجاوزها ويسمو بالإنسان إلى أبعد الحدود، فالأصل أن يثير شعورا بالفرح والسعادة، ويخفف من المآسي الإنسانية، ويفتح النفس على نوافذ الحياة ويغذي الروح بالأحاسيس السامية.
فالسينما والمسرح والموسيقى والدراما التلفزيونية والرواية والشعر والغناء والفن التشكيلي وغيرها من الفنون، كلها أدوات بل أنها أصبحت أسلحة في يد الفنان ليعري واقعه ويشرّحه من جهة، ومن جهة ثانية للتسلية والترفيه وللتخفيف من حجم المعاناة، لأن الفنان هو الأكثر صدقا عندما يصمت الجميع، فالحياة بمآسيها وأفراحها وحلوها ومرها وشقائها هي التي تجعل الفنان يتحرك ويبدع.
ولنا في التاريخ المعاصر أمثلة لا حصر لها، فعندما كان الجيش المصري يخوض حربه ضد العدو الصهيوني المحتل، كانت كوكب الشرق السيدة أم كلثوم تجول وتصول بصوتها العظيم لتجمع المال دعما للمجهود الحربي، في ذات الوقت كان يتنافس كل من نجيب محفوظ ويوسف إدريس وآخرون على تطوير الرواية العربية والبحث عن مكان لها تحت شمس العالمية، والأمثلة عديدة في عالمنا العربي لرواد الفن ومبدعيه.
إذن كان الفن دوما سلاحا لمواجهة الأزمات مهما كان نوعها، لكنه اليوم لم يعد كذلك بعد أن داهم الكرة الأرضية فيروس كورونا، حيث بات الفن خائفا وكأنه يراقب ما يحدث وينتظر مصيره وبالحقيقة أن هذه الظاهرة ليست عندنا فحسب، فهي تشمل كل دول العالم، ويكفي أن نلقي نظرة على الأخبار الفنية اليوم لندرك بشاعة المناخ الذي بتنا نعيش فيه.
اليوم وفي ظل غياب قيم الفن الراقية التي تبعث على الأمل وتعزز الثقة بالنفس في بناء إنسان جديد قادرعلى أن يقاوم الصعاب التي تعتريه ومنها الأوبئة والأمراض ويكون له فعل وانجاز في المستقبل وإرادة قوية كجسر يتجاوز من خلاله الخوف والقلق.
فالفن رسالة سامية، وله دور مهم جدا في تهذيب الروح والنفس ويؤدي إلي الشعور بالهدوء والالتزام وله القدرة على التوجيه، لكنها بالنهاية عاصفة الكورونا الجائحة التي عصفت بكل شيء أمامها، الوباء الفتاك الذي قد لا يسلم منه أحد ولا أحد يعلم متى تنتهي .

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى