الحياة مدرسة

#الحياة_مدرسة

د. #هاشم_غرايبة

لو سألت طفلا في السادسة من عمره: من هو الأقوى الأسد أم الفيل، على الأغلب لن يتأخر في الإجابة، فيقول: الفيل، ولو سألته مرة أخرى السؤال نفسه لكن بعكس الترتيب فتقول الفيل أم الأسد؟، سيرد فورا: الأسد، ناسيا أنه قد أجاب بالعكس قبل قليل.
تعليل ذلك أن مخزون ذاكرته ضحل، وما زال استرجاع المعلومة لديه ضعيفا، لذا فيجيب حسب آخر معلومة علقت بذاكرته
منذ الولادة، يراكم الإنسان معارفه بشكل دائم طوال عمره بالتعلم والتجربة، ويرتب المعلومات في ذاكرته فطريا لكن بأسلوبه الخاص، هذا الأسلوب هو فطري أيضا أساسا، لكنه خاضع لتباينات فردية (موهبة)، وعليه فلا يمتلك الجميع القدرة ذاتها، لكن يمكن تعزيز هذه الموهبة بوسائل التعلم والتدريب المكتسبة.
الأسلوب التلقائي في تخزين المعلومة يتمثل بربطها بمفتاح، والذي يكون بشكل مدرك حسي مألوف :صورة أو صوتا أو رائحة، ولا يمكن أن تختزن المعلومة الجديدة إلا إن فهمها العقل وعرف مدلولها، وعندها يبحث لها عن مفتاح يربطها فيه.
لو تخيلنا أن التخزين في الذاكرة يشبه ترتيب الملفات في غرفة الأرشيف، من الصعب أن تستخرج ملفا إذا لم يكن مفهرسا ومرتبا بطريقة معينة، هذا لو كانت الملفات محددة بنوع واحد فقط، ولنقل بسجلات الأراضي ومالكيها في غرفة واحدة، فكيف لو كان المخزن به مليارات المعلومات تتوزع على آلاف الأنواع، ومخزنة في عشرات الغرف .. أي ما يمثله العقل!
سيكون استخراج المعلومة في غاية الصعوبة بدون تلك المفاتيح، والتي تكون مرتبة على سطح الذاكرة، وعندما يتطلب الأمر استخراج معلومة يختار العقل المفتاح المحدد، والذي يُخرج الملف الصحيح، ويستغرق كل ذلك جزءا بسيطاً من الثانية، وكلما كانت المفاتيح واضحة مميزة ومرتبة في مواضعها كانت الإستجابة أسرع، وهذا ما يسمى سرعة البديهة والتي هي موهبة يتباين التمكن منها بين الأفراد، وترتبط بها عضويا موهبة أخرى هي دقة الملاحظة والتي هي ملكة عقلية مهمتها التمييز بين الأشياء المتشابه ظاهريا مع وجود اختلاف ضئيل وبدقة متناهية مهما تقاربت وتماثلت.
في المقابل بطء الإستيعاب أو صعوبة الحفظ، يرتبطان الى درجة كبيرة مع تدني القدرات العقلية للفرد، ومع قلة الرياضة العقلية المتمثلة في تشغيل ملكات العقل الإدراكية والتحليلية والإستنباطية، فينجم خمول عام يشبه الترهل الذي يصيب الجسد عند قلة الحركة والسكون، فعندما يتوقف توريد المعلومات الى الذكرة أو يقل قليلا، وعنما تقل طلبات استخراج المعلومات، تصدأ المفاتيح وتبهت الألوان والرموز الدالة عليها، فيصعب استخراج المعلومة، فيكون الجواب: لا أعرف!.
ولكي لا تتراكم الملفات بزيادة المعرفة لدرجة تثقل الذاكرة، فتصبح العمليات العقلية بطيئة، فقد زود الخالق العقل بخاصية محو المعلومات المسجلة على الملفات التي لا تستعمل لفترة طويلة، فهنالك ممحاة فطرية في الدماغ هي النسيان، وهي تراقب الملفات المهملة والتي يعلوها الغبار من قلة فتحها، فتقوم بمحوها تماما، أو تحولها الى برميل الإتلاف، وهذا مستودع مؤقت للمعلومات الهامة لإعطاء المرء فرصة لاستعادتها الى الرفوف إن أحس بأهميته، ولهذا تجد شخصا يحك رأسه ليتذكر شخصا لم يره منذ فترة طويلة فيقول له: ذكرني بك!، فيحكي له حادثة مميزة، فيضرب جبينه صائحا: الآن تذكرتك أنت فلان، ثم يسرد له معلومات كثيرة يثبت فيها له أنه لم ينسه.. كانت الحادثة التي ذكّرته بمثابة مفتاح (احتياطي) يستخرج الأساسي، والذي بعد أن وجده استخرج الملف من البرميل، وأعاده الى مكانه بين الرفوف.
قد يعجب البعض ممن لديهم مهارات متعددة، كيف يمكن أن يبدعوا فيها جميعاً، هنالك موهبة هي أم المواهب اسمها الذكاء، وهي القدرة على الفهم السريع واستعمال المهارات بكفاءة تامة، ويشبهها في الحاسوب جهاز (CPU)، فكلما ارتفعت قدرته، زادت سرعة العمليات.
ان القدرات العقلية للبشر، علاوة أنها موهبة لا يمتلكها الجميع بالتساوي، فهي مثل القدرات الجسدية تعظم بالإستعمال والرياضة والتدريب، ولا تنتقص مهارة من مهارة أخرى، فالطبيب مثلا يمكنه أن يكون شاعرا، ويمكن أن يكون ماهرا في الجري أو السباحة أيضا، وفوق ذلك كله، يمكنه أن يكون فقيها عالما بالدين.
قدرات الإنسان الجسدية محدودة، لكن قدراته العقلية أوسع بكثير، فيمكنه إجادة القيام بكل ذلك وأكثر، لكن على حساب وقته وراحته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى