إساءة استخدام “أمر التغيير”

إساءة استخدام “أمر التغيير”
د.م .عبد الفتاح طوقان
مهندس استشاري معتمد في مقاطعة اونتاريو / نقابة المحاميين اونتاريو – كندا
رئيس لجنة متابعة العطاءات الحكومية سابقا – نقابة المهندسيين الاردنيين

الحديث في إساءة استخدام الأوامر التغيرية بات هاما خصوصا مع إحالة ما يقارب ستين الي سبعين قضية متعلقة بمكاتب هندسية اردنية أصدرت أوامر تغيرية الي هيـئة النزاهة ومكافحة الفساد، وهي حق لوزير الاشغال الذي تعتبر وزارته “بيت الخبرة للتدقيق” والمرجع الفني لدى التقاضي، واعتقادي ان الوزارة قامت بالدراسة لكل الأوامر التغيرية لتي سجلتها والحقتها بوثائق بعد أن دققتها وكتبت شروحاتها باعتبارها بيت الخبرة قبل ان تحولها الي هيئة النزاهة والفساد والا تكون قد وقعت في خطاء اداري وقانوني.

وليس بالضروري ان المكاتب كلها مخطئة او فاسده، قد يكون هنالك مكتبا او اثنين، وايضا ليس بالضرورة ان قيمة الامر التغييري هي فساد، فقد يكون امر تغييري بمليون دينار صحيح و اخر بالف دينار خاطئ.

الامر التغييري هو بند من عقد المقاولة وليس طارئا عليه وهو حق شرعي للمالك، وقد ورد في أيضا في عقد المقاولة الموجز بالأردن حيث نصت المواد التالية من العقد الموجز الأردني على:

المادة (10/1) : حق أحداث التغييرات ( الأوامر التغيـيرية) :
يحق لصاحب العمل إصدار تعليمات بإحداث تغيـيرات في كميات أو نوعية وخصائص أي بند من بنود الأشغال ، أو في تغيـير أبعادها أو مناسيبها ، أو تنفيذ أي عمل إضافي أو إلغاء أي عمل ، إذا اقتضت ظروف العمل .
كما نصت المادة (10/2) : تقييم التغييرات :
يتم تقدير قيمة التغييرات على النحو التالي:
أ – بمبلغ مقطوع كما يتفق عليه الفريقان، أو
ب- باعتماد أسعار بنود العقد، حيثما كان ذلك ملائما، أو
ج‌- إن لم توجد أسعار بنود ملائمة تعتمد أسعار بنود العقد كأساس للتقييم .
وإنّ لم يتوفر ذلك :
د – بأسعار جديدة مناسبة للبنود كما قد يتم الاتفاق عليها ، أو تلك التي يعتبرها صاحب العمل مناسبة ، أو
هـ- إذا قام صاحب العمل بإصدار تعليمات بذلك ، يتم تنفيذ العمل بالمياومة حسب جدول الأسعار بالمياومه المشار إليه في الملحق ، على أن يقوم المقاول بحفظ القيود لساعات العمل للأيدي العاملة ومعدات المقاول والمواد المستخدمة .

ولا يوجد مشروع بلا أوامر تغييرية الا ما ندر، وليس كل امر تغييري صادر بناءآ على طلب مالك المشروع مرتبط بالفساد خصوصا اذا ما تمت المراقبة الدقيقة من المكتب المصمم، الي المكتب المشرف، الي مندوبي صاحب العمل (الوزارة) وجهازها الهندسي، مصادقة ديوان المحاسبة و وزارة المالية لتختم و يوافق عليها وزير الاشغال لتصبح نافذة.

يمكن التلاعب بتعديلات العقود، المعروفة أيضاً باسم “أوامر التغيير”، لتسهيل مخططات الفساد أو الاحتيال اما سببها خطاء اولي في التصاميم والتصاميم المعدلة، تلاعب من جهاز الاشراف، تلاعب من المقاول او اتفاق ثلاثي بمعرفة من المسؤولين او جهلهم وفي الحالتين تتم ادانتهم. وفي ثبوت الحالة يتم الحجز علي أموال المتعاقدين من الأطراف كافة ومحاسبة مسؤولي الوزارة عن التقصير، و هنا يتكفل التآمين الهندسي بتغطية التكاليف و أي تقصير او أخطاء في حال عدم وجود فساد.

كيف يتم التواطؤ ويعرف “فسادا”؟

على سبيل المثال، يمكن للمقاول المتعاقد، بالتواطؤ مع المكتب الهندسي المصمم او المشرف وبموافقة مسؤولي المشروع، أن يقدم عطاءً منخفضاً جداً للفوز بعقد المقاولة، مع العلم أنه بعد ذلك مباشرة سيوافق المسؤولون على أمر تغييري لزيادة السعر، مما يسمح للمقاول باسترداد أرباحه وتمويل الرشاوى. وقد يقترح المقاول تغيير بعض بنود التنفيذ بحجة التوفير ثم يفاجىء المالك بمتطلبات من جهة اخري ترفع من قيمة العطاء ام عن عمد او عن جهل الاشراف او تقصير المصمم.

و أيضا يمكن للمقاول ان يدرس العطاء والتصميمات الخاطئة وغير المكتملة/غير الصحيحة المقدمة من المكتب الهندسي المصمم فيقوم بتقديم أسعارا منخفضة معتمدا علي تغييرات في التصاميم ناتجة عن سؤ التصميم و في أحيانا يتم ذلك من قبل مكتب هندسي بالتواطؤ مع المقاول بداية، و في كلتي الحالتين لم نجد ان أي من المكاتب الهندسية المصممة التي قدمت مخططات و تصاميم لا تتناسب مع المشروع و أجريت عليها تعديلات كلفت الحكومة ملايين الدنانير ان تمت محاسبة الاستشاري او إيقافه عن العمل و الحجز علي أمواله و تعويض الحكومة عن الاضرار التي تكبدتها، رغم ان ذلك حدث في بعض من المشاريع في الاردن وسبق ان قدمتها في محاضرة من اكثر من ثلاثين عاما في الأردن حملت اسم ” الإخفاق و الانفاق في المشاريع الحكومية” نشرتها صحيفة الانباء الكويتية و الأسواق الأردنية و بلغت في حينها 700 مليون دينار.

و أيضا يمكن للمقاول ان يقدم طلبات غير ضرورية لزيادة الكميات و تعديل المواصفات لتحقيق أرباحا مرتفعة وغير ذات اهمية علي سلامة المنشاء ، او ان يوافق مكتب الاشراف علي اعمال غير متطابقة و يوصي بصرف فواتير المقاول لأعمال غير مكتملة او كميات غري صحية .

وغالباً ما تتلقى أوامر التغيير تدقيقاً أقل من عملية المناقصة الأولية وإرساء العقود، مما يجعلها طريقة شائعة للوصول إلى الأموال عن طريق الاحتيال ، ولتفادي ذلك اذكر انه في عهد وزير الاشغال المهندس حسني أبو غيدا (١٩٩٩ -٢٠٠٣) انه شكل لجنة من ثلاث مهندسين لا علاقة لهما بالمشروع الذي ستصدر له أوامر تغيرية لدراسة الامر التغييري من كافة الجوانب و تقديم التوصيات للوزير قبل الموافقة او رفض الامر التغييري و يعتبر قراراهم قطعيا، وبعدها يصدر الامر التغييري بموافقة الوزير شخصيا و لا ينوب عنه احد ، واستمر العمل به و هذا يضع الوزير امام مسؤولياته القانونية و المالية عند إدارة المشاريع و الموافقة علي اوامرها التغيرية .

ومن هنا باتت محاسبة الوزير امام هيئة النزاهة تعتمد علي الضوابط و تطبيقها و التي هي أساس المشكلة لان الموافقة و اعتمادية الوزير للأمر التغييري هي الأساس و المفتاح الاخير والذي من المفترض ان الوزير علي علم و دراية و فهم لطبيعة الاعمال الهندسية و قادرا علي تحليلها، و اقصد انه ليس طارئا عليه او هابطا بالمظلة يسهل التلاعب عليه و يسهل هو التلاعب بالمسؤولية.

حدود الأوامر التغيرية :

تنص عقود المقاولة ، دفتر عقد المقاولة و التي بنيت في الأردن تآسيسا علي عقد الفيديك الدولي ان الأوامر التغيرية هي حق للمالك في حدود 25٪ و ما زاد عنها يحق للمقاول ان يرفضها او يتعاقد عليه بسعر و عقد جديد و قد يكون السعر بالإضافة او النقصان، يتم حساب مدة إضافية بموافقة المالك و تنسيب المكتب الهندسي حسب طبيعة الاعمال.
.

المؤشرات الحمراء لإساءة استخدام أمر التغيير
١. طلبات الموافقة على أمر التغيير التي لا مبرر لها أو موثقة
٢.نمط من عقود العطاء المنخفضة متبوعةً بالأوامر التغييرية التي تزيد سعر العقد
٣.نمط من منح العقود تلزيما الى المصدر الوحيد أقل بقليل من قيمة العطاءات التنافسية المشابهة والمقدرة من قبل الاستشاري ومقدمه للاعتماد من وزارة الاشغال، متبوعةً بطلبيات تغيير تزيد السعر القيمة المقدرة من الاستشاري والحكومة.
٤. واحدا أو عددا قليلا من المقاولين المنفذين لمشاريع حكومية يتلقون عددا كبيرا بشكل غير متناسب (نسبة ٪ و مالا ) من أوامر التغيير مقارنة مع المقاولين الآخرين أو عقود مماثلة سابقة.
وغياب المحاسبة. ٥.ثقافة الفساد المعروفة بين مسؤولي المشاريع والمفتشين
٦.ضعف الضوابط والإجراءات المتراخية فيما يتعلق بمراجعة أوامر التغيير والموافقة عليها، على سبيل المثال، يشهد المسؤول نفسه (وزير الاشغال) بالحاجة إلى أمر التغيير ، (المنسب اليه من المكتب الهندسي او التي تقوم الوزاره بطلبه من المكتب الهندسي ليقدمه باعتباره من المكتب بالاتفاق مع المقاول) ويوافق عليه ( الوزير المسؤول).
.
قانون و أنظمة الأوامر التغيرية :
لا يجوز لمكت الاشراف التعدي علي حق المصمم بعمل أي تغيرات في التصاميم الاصلية، هو فقط يوصي والمكتب المصمم الأصلي يقوم باجراء اللازم، و لا يجوز لمكتب الاشراف التعدي علي حق المكتب المصمم قانونا و اخلاقيا.

قيام المكتب الهندسي المشرف بعمل تصاميم ومنح موافقة علي تغيير واضافة مواصفات مخالف للقانون، اذا لم يحصل علي موافقة المكتب الهندسي المصمم، لان دور مكتب الاشراف هو تطبيق ما ورد في مواصفات معتمدة و مخططات موافق عليها صادرة عن المكتب المصمم الأصلي.

في حال قام مكتب الاشراف بعمل ذلك دون موافقة المكتب المصمم وعلمه وختمه، فهو مخالف للقانون حتي وان وافق المالك علي التغييرات و يخلي بذلك طرف المكتب الهندسي المصمم نهائيا حتي وان كانت التصاميم الاصلية غير مكتملة او جانبها الصواب.

اذا رغب المالك ان يقوم مكتب الاشراف بعمل تصاميم و تبديل و تغيير مواصفات، عليه التقدم بطلب من المكتب الهندسي المصمم الموافقة و اخلاء مسؤوليته و ان يقوم بإصدار عقد جديد لمكتب الاشراف يحدد فيه مسؤولياته بالكامل عن التصاميم و يعتبر المكتب المصمم الأصلي خالي المسؤولية.

الحجز علي أموال المكتب الهندسي :
يجوز الحجز علي أموال المكتب الهندسي حسب الأصول القانونية والإجراءات ، وتقوم الوزارة بذلك عند اثبات التواطيء او شبهة الفساد، و يتم تشكيل لجنة لادارة الشركة او المكتب الهندسي و منح الرواتب للمهندسين مباشرة من المالك ، و الواقع القانوني الدولي يظهر في كشف دفتر أحوال المحاكم عن العديد من النزاعات القضائيّة بين مكاتب هندسية ومقيمين اشراف من جانب وبين مقاولين وشركات مقاولات و مالك المشروع الزم القضاء المقاول برد نسبة من قيمة الامر التغيري و حددت الاستشاري بنسبة تعويض عما تسبب به من خسارات للحكومة. وفي العادة المكاتب الهندسية تكون مؤمنة ضد الأخطاء.

أيضا لا يجوز للمكتب الهندسي الذي تربطه علاقة عمل أن يفشي أي اسرار عن العمل او ان يتناول المشروع وإجراءات المالك الإدارية او أي أوامر تنبيهيه او محادثات تمت بينهما علانية في الصحف او وسائل التواصل، ضمن بند سرية المعلومات و التي يحاسب عليها القانون، و اذا ما تم ذلك يحق للمالك سحب المشروع من المالك و حرمانه من التقدم لأي عطاءات مستقبلية.

أن إفشاء أسرار العمل حسب العقد واخلاقيات المهنة الهندسية هو إخلال بالأمانة، وتبعاته جسيمة، يعرف قانونا بأنه غش واحتيال.

aftoukan@hotmail.com

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق