من ردود الفعل إلى استراتيجية وطنية… كيف يحصّن الأردن نفسه ضد الإرهاب؟ 3/ 3

من ردود الفعل إلى استراتيجية وطنية… كيف يحصّن الأردن نفسه ضد الإرهاب؟

ما وراء المقاربة الأمنية: نحو استراتيجية وطنية أردنية شاملة لمكافحة التطرف العنيف والإرهاب

بقلم: الأستاذ الدكتور محمد تركي بني سلامة

إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد أي جريمة إرهابية هو أن تتحول الصدمة الوطنية إلى موجة غضب عابرة، تنتهي بانتهاء التغطية الإعلامية، دون أن تترك وراءها مراجعة جادة للسياسات والمؤسسات والبرامج الوقائية. فمكافحة الإرهاب ليست مناسبة لإطلاق الشعارات، وإنما مسؤولية وطنية مستمرة تحتاج إلى رؤية علمية وإرادة مؤسسية وخطط قابلة للتنفيذ والمساءلة.

لقد آن الأوان للانتقال من السؤال التقليدي: كيف نعاقب الإرهابي؟ إلى سؤال أوسع وأكثر عمقًا: كيف نحمي المجتمع، ونحد من الظروف التي قد تستغلها التنظيمات المتطرفة، ونمنع تحويل الاختلافات الفكرية والاجتماعية إلى مبررات للعنف؟

ونقترح في هذا السياق استراتيجية وطنية أردنية متكاملة تقوم على خمسة مسارات مترابطة.

أولها تعزيز الأمن وسيادة القانون. فالمؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية تمثل ضمانة أساسية لحماية المواطنين وملاحقة مرتكبي الجرائم، ويجب دعم قدراتها وتطوير أدواتها. لكن قوة الدولة لا تقاس بشدة العقوبة وحدها، وإنما كذلك بعدالة الإجراءات، واحترام الحقوق، وضمان أن تكون المسؤولية الجنائية فردية، وأن يخضع الجميع للقانون دون تمييز.

وثانيها إصلاح التعليم والخطاب الديني. فالأردن بحاجة إلى تطوير مستمر للمناهج وأساليب التدريس، بما يعزز التفكير النقدي والفلسفة والحوار واحترام التعددية، وإلى تأهيل الوعاظ والمرشدين لمواجهة التفسيرات التي تبرر العنف والكراهية، مع احترام حرية الدين والمعتقد.

وثالثها تعزيز العدالة الاجتماعية والفرص الاقتصادية، ولا سيما للشباب. صحيح أن الفقر والبطالة لا يؤديان بالضرورة إلى الإرهاب، لكن الإحباط والتهميش وفقدان الأمل قد يشكلان، في ظروف معينة، عناصر تستغلها الجماعات المتطرفة. ولذلك، فإن تحسين التعليم وفرص العمل والخدمات وتعزيز الإنصاف بين المناطق يمثل استثمارًا في كرامة المواطنين واستقرار المجتمع.

ورابعها تعزيز المواطنة والمشاركة المدنية والثقة بالمؤسسات. فالمجتمع المتماسك هو الذي يشعر أفراده بأنهم متساوون أمام القانون، وأن كرامتهم مصونة، وأن اختلافهم الديني أو الاجتماعي أو الفكري لا ينتقص من حقوقهم أو انتمائهم.

وفي الأردن، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى مواصلة تطوير المشاركة السياسية والحزبية والمدنية، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وإتاحة قنوات سلمية للتعبير عن المطالب والخلافات.

إن الديمقراطية ليست وصفة سحرية لمنع الإرهاب، لكنها توفر إطارًا مؤسسيًا مهمًا لإدارة الاختلافات بالوسائل السلمية، كما أن حقوق الإنسان ليست ترفًا يمكن التضحية به كلما ظهرت أزمة أمنية، بل تمثل أساسًا من أسس الدولة القانونية.

أما المسار الخامس، وربما الأكثر إلحاحًا، فهو إنشاء برنامج وطني مستقل للبحث العلمي في التطرف العنيف، تشارك فيه الجامعات الأردنية ومراكز الدراسات والخبراء المختصون، ويهدف إلى فهم مسارات التجنيد والعوامل الفكرية والاجتماعية والتنظيمية، وتقييم البرامج الوقائية بصورة موضوعية.

فنحن بحاجة إلى دراسات ميدانية حقيقية، لا إلى الاكتفاء بالانطباعات العامة. نحتاج إلى معرفة ما الذي يدفع بعض الأفراد إلى تبني العنف، وكيف تؤثر الشبكات الاجتماعية والدعاية الرقمية، وما البرامج التي تحقق نتائج قابلة للقياس، وأي التدخلات تحتاج إلى مراجعة أو تطوير.

ويجب أن تتم هذه الدراسات باستقلالية علمية، وضمن ضوابط قانونية وأخلاقية تحمي خصوصية الأفراد وحقوقهم.

ولا ينبغي أن تبقى هذه المسارات مجرد توصيات على الورق. فالمطلوب خطة تنفيذية تحدد المؤسسات المسؤولة، والموارد، والجداول الزمنية، ومؤشرات الأداء، وتخضع لمراجعة دورية مستقلة.

إن الأردن يمتلك مؤسسات وطنية وخبرات أمنية وأكاديمية ومجتمعية يمكن البناء عليها. كما يمتلك رصيدًا تاريخيًا من التعايش والتضامن، ينبغي حمايته من محاولات التحريض والفتنة.

والالتفاف حول الدولة ومؤسساتها وقيادتها الهاشمية لا يتعارض مع النقد العلمي المسؤول، بل إن تطوير المؤسسات وتصحيح الاختلالات وتعزيز سيادة القانون يمكن أن يشكل تعبيرًا عمليًا عن الحرص على الوطن واستقراره.

إن المعركة مع الإرهاب ليست معركة أمنية وحدها، بل معركة وعي وعدالة وتعليم ومواطنة ومؤسسات. فالأردن الذي نريده آمنًا ومستقرًا هو الأردن الذي يحمي أبناءه من الإرهاب، ويحمي في الوقت ذاته حقوقهم وكرامتهم وحريتهم، ويجعل من تنوعهم مصدر قوة لا مدخلًا للفتنة.

وإذا كان الأمن يحمي الوطن من الإرهابيين، فإن التعليم والعدالة والمواطنة والمؤسسات الفاعلة تساعد على حماية المجتمع من الأفكار والظروف التي قد يستغلها التطرف. وهنا تكمن البداية الحقيقية لاستراتيجية وطنية شاملة ومستدامة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى