
الإرهاب في الأردن… لماذا لا تكفي القبضة الأمنية وحدها؟ ١_٣.
ما وراء المقاربة الأمنية: نحو استراتيجية وطنية أردنية شاملة لمكافحة التطرف العنيف والإرهاب
بقلم: الأستاذ الدكتور محمد تركي بني سلامة
في كل مرة يتعرض فيها الأردن لجريمة إرهابية، تتوحد مشاعر الأردنيين في إدانة الجريمة، والتضامن مع الضحايا، والمطالبة بملاحقة الجناة وإنزال العقوبات القانونية الرادعة بحقهم. وهي مواقف وطنية وأخلاقية مشروعة، تعكس رفض المجتمع الأردني للعنف وتمسكه بأمنه واستقراره ووحدته الوطنية. لكن السؤال الذي ينبغي ألا يغيب وسط الغضب المشروع هو: هل تكفي الإدانة والملاحقة الأمنية والعقوبات القضائية لمنع تكرار الإرهاب، أم أننا بحاجة إلى مواجهة أعمق تتناول جذوره الفكرية والاجتماعية والسياسية؟
إن الإرهاب ليس مجرد رصاصة يطلقها مجرم، أو عبوة يفجرها متطرف، أو اعتداء يستهدف أبرياء آمنين؛ إنه في كثير من الحالات النتيجة النهائية لمسار معقد من التحولات الفكرية والنفسية والاجتماعية والتنظيمية. ومن الخطأ الاعتقاد بأن القضاء على منفذي العمليات الإرهابية يعني بالضرورة القضاء على الظروف التي ساعدت على ظهورهم.
لقد واجه الأردن خلال العقود الماضية تحديات إرهابية خطيرة، بدءًا من تفجيرات عمّان عام 2005، مرورًا بهجمات الكرك عام 2016، وصولًا إلى التهديدات المتجددة المرتبطة بالتنظيمات المتطرفة والصراعات الإقليمية. وقد أثبتت مؤسساتنا الأمنية والعسكرية قدرتها على مواجهة تحديات جسيمة، وقدمت تضحيات تستحق الاعتزاز والتقدير. ولا يمكن لأي مقاربة جادة لمكافحة الإرهاب أن تتجاهل الدور المحوري لهذه المؤسسات في حماية الوطن والمواطنين.
لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يتعارض مع حقيقة أخرى لا تقل أهمية: الأمن ضرورة لا غنى عنها، لكنه لا يستطيع وحده معالجة جميع الأسباب والظروف التي قد تسمح بنشوء التطرف العنيف.
فالأجهزة الأمنية تستطيع ملاحقة الإرهابي، لكنها لا تستطيع بمفردها إصلاح التعليم، أو تطوير الخطاب الديني، أو معالجة الإقصاء الاجتماعي، أو بناء الثقة بالمؤسسات، أو توفير الفرص للشباب. وهذه مسؤوليات وطنية مشتركة تتطلب تكامل المؤسسات، لا تحميل مؤسسة واحدة أعباء المجتمع كله.
ومن الأخطاء المتكررة في تفسير الإرهاب إرجاعه بصورة مطلقة إلى المؤامرات الخارجية. صحيح أن التنظيمات العابرة للحدود والصراعات الإقليمية قد تؤدي أدوارًا مؤثرة في التجنيد والتحريض والتمويل، لكن التأثير الخارجي لا يفسر وحده لماذا يستجيب بعض الأفراد لهذه الخطابات بينما يرفضها آخرون يعيشون في الظروف نفسها.
وبالمقابل، فإن إرجاع الإرهاب إلى الفقر أو البطالة أو التدين وحدها لا يقدم تفسيرًا علميًا مقنعًا. فقد أثبتت الدراسات أن المنخرطين في التنظيمات المتطرفة ينتمون إلى خلفيات اجتماعية وتعليمية واقتصادية متنوعة. ولذلك، فإن المطلوب ليس البحث عن سبب واحد، وإنما فهم التفاعل بين الأفكار والظروف والشبكات التنظيمية والدوافع الفردية.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين التدين والتطرف، وبين المحافظة الفكرية والتحريض على العنف. فليس كل متدين متطرفًا، وليس كل صاحب رأي متشدد إرهابيًا. إن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول الأفكار إلى مبررات لإلغاء حقوق الآخرين، أو تكفيرهم، أو استباحة دمائهم، أو فرض القناعات بالقوة.
إن الأردن يمتلك رصيدًا تاريخيًا واجتماعيًا مهمًا من التعايش بين المسلمين والمسيحيين، ومن التضامن الوطني في مواجهة الأخطار. وعندما يتعرض مواطن أردني للاعتداء بسبب دينه أو معتقده، فإن الاعتداء يستهدف الوطن بأكمله، لأن المواطنة لا تتجزأ، والكرامة الإنسانية لا تخضع للتقسيم الديني أو الاجتماعي.
ولا يجوز أن تتحول الجرائم الإرهابية إلى ذريعة لتعميم الاتهام أو التحريض على جماعات أو مناطق أو عائلات. فالمسؤولية الجنائية فردية، والقضاء هو صاحب الاختصاص في تحديدها، وسيادة القانون هي الضمانة الحقيقية لحماية الجميع.
إن التحدي الذي يواجه الأردن اليوم ليس الاختيار بين الأمن والإصلاح، وإنما الجمع بينهما ضمن رؤية وطنية متكاملة، تجعل الوقاية من التطرف مسؤولية التعليم والثقافة والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني، إلى جانب الأجهزة الأمنية والقضائية.
فالدولة القوية ليست فقط تلك التي تستطيع القبض على الإرهابي بعد ارتكاب جريمته، بل أيضًا تلك التي تمتلك المؤسسات والمعرفة والسياسات القادرة على تقليص فرص تجنيده قبل أن يتحول إلى قاتل.
وهنا يبدأ السؤال الأهم الذي سنتناوله في الحلقة الثانية: كيف يمكن للتعليم والخطاب الديني والثقافة المجتمعية أن تصبح أدوات حقيقية لبناء المناعة الوطنية ضد التطرف؟

