
” كيف تعيش مرتاحا …. ؟؟”
لطالما راوده شعور بأنه أكبر من عمره بكثير …. فعندما كان في التاسعة كان يحمل هموم أربعيني أرهقته السنين …. و الآن هو يقترب رويدا من نصف قرن من الزمان …. و لكن عنده خيبات كهل جاوز الثمانين ….
قرر و بدون تردد أن يتخلص من دماغه و يلزمه بصفة الغباء …. فهو يتوق لحياة هادئة خالية من التفكير و ما كان يعتقده ذكاء و ربما رغبته الجامحة في أن يصبح إنسانا طبيعيا لا يشار له بالبنان …. و لا بأي شكل من الاشكال …. فقد مل تفكيره خارج السرب و عزلته الثقافية بقراءة قصص و روايات لم يعد يعرفها أحد …. و بات يشعر بعزلته الباردة بأفكار لم تجلب له سوى الشقاء و التعب … إكتشف أن عقله و تفكيره هما ما أتعبه و ربما لسانه لا حول له ولا قوة ما دام رباط عقله يعاني من الانفلات ….
أعتقد أن صديقه الذي جمد عقله و ألغى كل حساباته يعيش حياة رتيبة ..و لكنها بلا شك خالية من الهموم و المشاكل ….كان يحسده على كمية اللامبالاة و البلادة دون أن يرف له جفن …. كان يعرف أنه ليس غبيا … و لكنه وضع عقله في كفن التغابي و الغياب …. و لكنه لم يجد طريقا لذلك النموذج الذي لا عقل يحكمه …. يذهب لصديقه الجراح يستشيره في التخلص من بعض أجزاء دماغه …. و أن يبقي له ما يسد رمق تفكيره ليستطيع الاستمرار كون أن الموت ليس من ضمن خياراته بعد …. لم يقتنع الطبيب بحجته في رغبته بالتحول لشخص ” بنصف دماغ ” …. و لم يجد له مبررا ليحسد الجهلة و الحمقى… و راح يذكره بأن ذلك غير مضمون …و لو أزال له نصف الدماغ ….
تخلص من كل ما يغذي عقله المأفون بحب التفكير …. و استبدلها بصور لمطربين و فنانين و لم يفته صور لبعض المسؤولين لكي يقنع نفسه بأنه وصل لمرحلة من السذاجة و الحمق لم يسبقها إليه أحد. حاول تغيير ديكور شقته بما يتناسب مع الشخصية الغبية الجديدة …. لن يتابع بعد اليوم أخبار الامم و لن يستمع لتحليلات السياسيين و الكتاب و المفكرين …. سيكتفي بمتابعة المباريات و برامج المسابقات …. و قد يبدأ بلعب الرياضة و الالتزام بالأكل الصحي و قد يعود للتدخين مجددا …. لن يتردد في أن يشتري ما كان يعتقد انه كماليات و غير ضروري …. و سيهتم من الآن فصاعدا بالماركات المشهورة و لن يلبس الا ما هو مستورد و سيحاول ان يكون أي شئ إلا ما كان هو من قبل.
دخل لذلك المقهى الراقي …. كان ينظر حوله قبل ان تقع عيناه على كتاب صغير ” كيف أصبحت غبيا “….
تذكر ذلك الكتاب الذي يتساءل ما مقدار ما تستطيع أن تدفعه من ضريبة جزاء حصولك على المعرفة؟ هل المعرفة لعنة لحاملها ام نور يشق ظلام الحياة ؟
” دبوس على التغابي ”



