
ضمان كريم
د. جودت سرسك
دعت مؤسسة الضمان الاجتماعي بكلّ فخرالمواطنين للمشاركة في الحوار الوطني حول مستقبل الضمان.
فرح الناس وقالوا: أخيرًا صار لنا رأي.
دخلوا القاعة فوجدوا على الطاولة أوراقًا جاهزة، فيها سؤال واحد:
هل تؤيد قرارات الضمان؟
نعم، نعم بالتأكيد، دون خيار ثالث.
رفع رجل يده وقال: أين خيار لا؟
ردّ الموظف مبتسمًا:
إن خيار (لا ) غير مدرج لأنه لا يخدم الاستقرار المالي للصندوق.
قال شاب: نريد أن نفهم أين تذهب أموالنا؟
أجاب الموظف بثقة: إلى مكان آمن جدًا، أين؟ في التقارير السنوية.
تقدّم رجل عجوز وقال:
نحن ندفع منذ ثلاثين سنة، هل الضمان لنا أم نحن للضمان؟
أجاب الموظف بسرعة: العلاقة تكاملية، أنتم تموّلونه وهو يطمئنكم.
وكيف يطمئننا؟ يقول لكم: الوضع مطمئن.
ثم وقف المدير ليلقي كلمته: الضمان ملك المواطنين.
صفق الحضور، وأضاف: لذلك نحافظ عليه من المواطنين.
ساد الصمت، وقبل أن ينفض الاجتماع، أعلن المدير: نشكر الشعب على مشاركته الفعالة في اتخاذ القرار.
سأل أحدهم: وما القرار؟
قال المدير: نفس القرار، لكنّه هذه المرة تمّ بعد الاستشارة.
لافتة كبيرة على باب القاعة كتب عليها:
رأيك مهمّ، لذلك قررنا بالنيابة عنك.
وما يزال في جعبة محرّك الذكاء الصناعي الكثير ويكأنه مطلع على سرّنا وجهرنا فقال لي: إن شئت كتبت لك المزيد عن الذين باعوا الوطن والبرّ والبحر، تمهّلت قليلا خشية أن يكون دافعه توريطي بالجرائم الالكترونية فتظاهرت أمامه أني بريء ممّا يقول ويكتب، وطلبت منه أن يكتب لي عن النملة ومقاومتها للبيئة وعيشها في الأنفاق وصبرها فقال:
عقلية النملة وذهنية الضمان:
يرسم محرك البحث الصناعي لوحة جديدة محاولاً أن يجرّني إلى نقد سلوك الدولة الرحيم ولكن عبثاً يحاول، فيخبرني أنّ النملة تستطيع حمل ما يفوق وزنها خمسين مرّة، ومع ذلك لا تحاول رفع الفُتات دفعة واحدة فتقسمه حبّة حبّة وجزءا صغيرا يكفي لأن يُحمل.
وبينما ينشغل الكثيرون في النظر للجبل تكون النملة قد بدأت بتحريكه.
إن النملة لا تحصي الوقت بل الحبات التي نقلتها، حيث إنّ النمل يمتلك عقلية الرافعة الذكية.
يرسم لي مشهداً مليئاً بالخبث والدهاء عن ثلاث نملات يقتربن من خنفساء ميتة تفوق وزنهنّ جميعا لا ينتظرن تعزيزات ولا يدخلن في نقاش طويل يتموضعن بزوايا دقيقة، ينسِقْن الدفع ويتحرك الحمل، إن ما يبدو قوة صغيرة في الموقع الصحيح تساوي نتائج هائلة.
يظن البعض أنّ مضاعفة الجهد تعني مضاعفة النتائج، إنّ العلاقة بين الجهد والنتيجة ليست خطا مستقيما.
إن خطوة واحدة في الاتجاه الصحيح تختصر مسافة طويلة، فالرافعة الذكية تعني أن تبحث عن الأفعال ذات الأثر المضاعف.
وراح يلملم لي ما حواه كتاب فلسفة النملة، ويحثني على زيادة جودة المجهود.
هنالك ياصاحبي فرق بين مَن يركض في حلقة مفرغة ومن يدفع عجلة تزداد سرعتها كلّما تحرّكت.
إنّ الرافعة ليست هروباً من العمل بل اختيار لمكانِ وضع القوةِ، فبدل أن تحرك الحصى بيديك طوال اليوم ابحث عن الزاوية التي تحرك الصخرة كلّها.
حين يأتي الصيف يشتعل النمل حيوية ونشاطا، خروج مستمر وتوسع واضح، إلا أنه وسط هذا الاندفاع يحدث أمر أهمّ وهو التخزين.
إنّ النملة لا تجمع لتستهلك فقط بل لتستعد، فهي تدرك حقيقة بسيطة نغفل عنها. تدرك النملة أن الوفرة مؤقتة والشتاء قادم لا محالة.
إنّ التفكير الموسمي لا يعني التشاؤم بل التحرر من الصدمة، فعندما تتوقع التغيير تتعامل معه بهدوء، فلا ترتبك عند أول انخفاض ولا تبتهج عند أول ارتفاع.
إنّ أول استعداد للشتاء هو منتصف الصيف، وحين تحقق ربحاً ونجاحا لا ترفع مصاريفك فورا وخزن جزءا من المكاسب.
إنّ المال يشحّ وقد لا يكفي ولا بدّ أن تتقشف، وأن يبقى الصيف حيّا بداخلك عندما يبرد الواقع من حولك.
إن الجاهزية للمواسم لا تمنع العواصف لكنها تمنع الانهيار وتجعلك أكثر مرونة.
إن المشكلة ليست في تبدّل الفصول بل فيمن يصرّ على العيش في فصل واحد.
أذهلني محرك الذكاء الصناعي في قدرته على مواساتي وتصبيري في معضلة الضمان وقهره للعامة والخاصة فشكوت له فضحك وراح يرسم لي لوحة كاركاتيرية أخرى:
ضمان كريم
في الزاوية اليمنى من الكاريكاتير يقف مواطن أشيب الشعر، يحمل ملف اشتراكه القديم، وقد كُتب عليه: سنوات الخدمة.
أمامَه مكتب ضخم تعلوه لافتة: مؤسسة الضمان الاجتماعي، مستقبلكم مضمون.
يسأل المواطن بصوت متعب: دفعت عمري كلّه، فمتى أستريح؟
يرد الموظف الرسمي وهو يشير إلى لوحة معلقة خلفه:
سن التقاعد: 65 سنة، حفاظًا على استدامة الصندوق.
يتردد المواطن قليلًا ثم يسأل:
وماذا فعلتم حفاظًا على استدامة الإنسان؟
يصمت الموظف، ثم يقلّب الأوراق ويسأل: هل أحضرت شهادة أنك ما زلت حيًا؟
أذهلني المحرك الصناعي فابتلعت ريقي ولساني، فقلت له زدني مما علمك الله وإن سألتك عن شيئ بعدها فلا تصاحبني، فقال لولا الصواريخ الإيرانية وعظم تأثيرها على محركي وانفعالاتي لقلت لك ما لا تستطيع معه صبرا.
في الخلفية طاولة طويلة يجلس حولها عدّةُ مسؤولين، وكلّ واحدٍ منهم يضع أمامه لوحة صغيرة مكتوب عليها:
الإدارة، اللجنة، المجلس، الهيئة، الإشراف والتفتيش.
يسأل المواطن: من المسؤول عن أموالنا؟
ينظر بعضهم إلى بعض، ثم يأتيه الجواب الهادئ: المسؤولية مؤسسية.
ومن يُحاسَب إذا ضاعت؟ أجاب المحرّك: أيضًا مؤسسيًا.
الضمان الاجتماعي: ندير أموالكم بحكمة ونُدير آمالكم بالصبر.
أدركت حينها أن الضمان الاجتماعي سباق مع العمر وأن الدولة لا تضع يدها على شيء إلا جمّلته لا أفسدته كما يلمّح المحرّك وجعلت عزيزها ذليلها.
أبان المحرك الصناعي عن أسنانه مبتسماً وقال: ألمْ أقلْ لك إنك لن تستطيع معي صبرا؟ فرددت عليه ورجوته طلباً أخيرا، فأسرّها في نفسه وتجاوز عن عجلتي.
سألته: ولمَ حديثُك عن الرافعة والنملة؟ فضحك وقال: الرافعة أداة ملهمة لرفعكم لاستدامة حياة الصندوق وموظفي الصندوق وأنتم في ملكوت الله نرفعكم ونمنّيكم.

