[review]
الانتظار…رتابة تغتال جمال الوقت
دقات منتظمة تحمل بين طياتها مئات التساؤلات
الانتظار…تعب الروح…وسيل الذكريات
….تعلن الساعة انتصاف الليل…تتوقف خطواتها وتلقي نظرة من النافذة…
سكون الليل يشعل في نفسها خوفا دفينا.
القمر يبتسم لها على مضض,الأشجار تتمايل بكسل والأغصان الممتدة بقايا أرواح تنتظر الفجر لتعاود مساكنها…
تذرع الغرفة بخطواتها مرة أخرى…
تجلس على كرسي قريب , تفرك يديها بقلق..لقد تأخر كثيرا…لم يبق على الفجر سوى القليل
_quot;رمى بكلامي عرض الحائط…تبخرت وعود الأمس…وكأننا لم نقل شيئاquot;
تسمع حركة ما…تتجه نحو الباب…
يدخل متهالكا على نفسه…جثة عملاقة ورائحة كريهة
يغلق الباب…يمشي بضع خطوات…
تهرع لإسناده…
يعذبها حاله ومنظره ذاك…تخرج كلماتها بمرارة الانتظار
_quot;أبي لقد تأخرت كثيراquot;
يضحك…فترجع جدران البيت الخالي صدى ضحكاته صفراء مزعجة
_ quot;أبي..ألم نتفق بالأمس؟quot;
لا يقوى على الكلام …يدفعها بيديه …ويختفي وسط ظلام البيت الحالك…
ربما لم يكن حالكا ولكنها أصبحت تراه كذلك منذ أن اعتادت رتابة انتظاره
كانت تتمنى دائما لو عاد والدها قبل مغيب الشمس وترى نفسها تنتظره عند البوابة الخارجية تحتضن تعب ساعاته وتمسح هموم يومه
ولكنها لم تعد تفكر بذلك منذ أصبحت تستيقظ على صراخ والديها
منذ أن اعتادت عودته متأخرا
منذ أن ملت أمها انتظاره وأصبحت هي تنوب عنها بذلك…
هو سيء وهي تعرف ذلك…ولكنها تحبه…
الصباح يحضر مباغتا هذه المرة…وكأنها نامت على ذلك المقعد طويلا
تجلس لتناول الإفطار
يبتسم ويسألها عن أحوالها ومدرستها…هي الآن في الثانوية…يجب أن تهتم بدراستها أكثر…
تبتسم….تتأكد بأنه نسي الأمس
ينظر إليها…يرى انعكاس صورته في عينيها
كم هو نقي داخلها…
وكم هي جميلة ابنته هذه
عينان بزرقة السماء…سنابل القمح تتمايل خلفها…قد مياس…وجه كالقمر وابتسامة دائمة الإشراق
شهد…اسم على مسمى
شهد…لن يحظى بها إلا من يستحقها فهي شهد حياتي
جدال ونقاش طويل قبل الخروج…هذا حالهم كل صباح…أصواتهم تعلو
يخرج صافقا الباب …وتحتبس الأم دموعا لم تنزل يوما خلفه
انتصف الليل سريعا…يتأخر كعادته
يحيط به رفاق الليل…يدور الشراب وتوزع الأوراق…تعلو الضحكات
هي تجلس بجانب النافذة كعادتها كل ليلة تنتظر عودته باكرا…
الطاولة تفترش بالأوراق…تهتز الكؤوس وتنفذ جيوبه
يرهن ساعته …تدور الأوراق
يخلع معطفه ويضعه على الطاولة…تدور الأوراق مرة أخرى
تذرع الغرفة جيئة وذهابا…تتمنى ألا يحصل له أي مكروه أثناء العودة
هو سيء…هي تعرف ذلك…ولكنها تحبه
جيوبه نفذت…ساعته ومعطفه…خاتمه الفضي…لم يبق لديه شيء
يحاصرونه بنظراتهم
يهمس:
_لم يعد معي أي شيء
_ولكنها فرصتك الأخيرة…هل ستخرج من هنا صفر اليدين هذا إن خرجت سالما ؟
_ولكني لا أملك شيئا
يهمس أحدهم بحذر:
بل تملك الكثير….يكفي بأنك تملك الشهد
قشعريرة الموت تصل روحه…يتساءل مرة أخرى:
_شهد؟؟!!
ينظر إلى الأوراق… يعاود النظر في عيونهم
يرى انعكاس صورته…
كم هو دنيء وبشع…كم هو كريه
يطأطئ رأسه…يلقي أوراقه
ضحكاتهم باردة…دنيئة
….تعلو الضحكات وتدور الأوراق من جديد.
