رواندا مثالاً للتحديث يُقتدى به

رواندا مثالاً للتحديث يُقتدى به

د. أيوب أبودية

كنّا دوماً نتطلع إلى النهضة الأوروبية والثورات الصناعية كأمثلة نقتدي بها، ثم توجه البعض صوب أمثلة النمور الأربعة (تايوان، كوريا الجنوبية، اليابان، وسنغافورة)، والبعض الآخر اتجه صوب الأمثلة الإشتراكية، ولكننا تفاجأنا بنجاح نموذج أفريقي بسيط، حيث انتقل قي غضون ثلاثة عقود إلى مصاف الدول النامية. فكيف تحقق ذلك؟

بعد الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، التي قُتل فيها نحو 800 ألف شخص خلال مئة يوم فقط، بدت رواندا ذات السبع ملايين نسمة آنذاك دولةً منهارة بالكامل: اقتصاد مدمر، ومؤسسات غائبة، ومجتمع ممزق بالكراهية العرقية بين الهوتو والتوتسي. لكن خلال ثلاثة عقود فقط، تحولت رواندا إلى واحدة من أكثر الدول الأفريقية استقرارًا ونموًا، حتى لُقبت أحيانًا بـ«سنغافورة أفريقيا» بسبب نظافة مدنها، وانخفاض الفساد، وسرعة الخدمات، والتركيز على التكنولوجيا والتنمية البشرية، حيث تضاعف عدد السكان إلى 14 مليونا.

لم يكن هذا التحول معجزة، بل نتيجة مشروع طويل قائم على إعادة بناء الدولة والمجتمع معًا. فقد أدركت القيادة الرواندية أن استمرار الانقسام العرقي سيقود إلى حروب متكررة، لذلك جرى تقليص الخطاب القبلي في الحياة السياسية والتعليمية، مع التركيز على الهوية الوطنية الجامعة. كما أُنشئت محاكم محلية للمصالحة عُرفت باسم “غاشاشا”، هدفت إلى كشف الحقيقة وتخفيف روح الانتقام، رغم الجدل حولها. فاتضح أن الاعتراف بالذنب هو أول الطريق صوب المصالحة الوطنية.

اقتصاديًا، ركزت رواندا على بناء دولة فاعلة قليلة الفساد. جرى الاستثمار في الإدارة الرقمية، والتعليم، والصحة، والبنية التحتية، مع تشجيع الاستثمار الأجنبي والسياحة البيئية. وتحولت العاصمة إلى نموذج أفريقي في التنظيم والنظافة والأمن. كما اهتمت الدولة بدور المرأة، فأصبحت رواندا من أعلى دول العالم في نسبة تمثيل النساء في البرلمان.

ورغم نجاح التجربة، فإنها ليست خالية من الانتقادات؛ إذ يشير بعض الباحثين ومنظمات حقوق الإنسان إلى محدودية التعددية السياسية وتشدد السلطة في ضبط المعارضة. لكن حتى المنتقدين يعترفون بأن رواندا حققت استقرارًا وتنمية سريعين مقارنة بتاريخها الدموي.

هناك دروس مهمة يمكن الاستفادة منها دون نسخ التجربة حرفيًا. أول هذه الدروس هو أهمية وجود رؤية وطنية طويلة الأمد تتجاوز الحكومات المتعاقبة والمتغيرة بسرعة في الدول النامية وفق رغبات شخصية، خاصة في مجالات النقل والطاقة والتعليم والصحة والتخطيط الحضري. فالدول الناجحة لا تبنى بالحلول المؤقتة، بل بخطط مستقرة لعقود.

الدرس الثاني يتمثل في الإدارة الفعالة ومحاربة البيروقراطية. فقد نجحت رواندا في تبسيط الخدمات الحكومية والاعتماد على الرقمنة، حيث يمكن تسجيل شركة بالكامل في غضون بضع ساعات عمل يوم واحد، وهو ما يحتاجه الأردن لتقليل الهدر والفساد وتسهيل الاستثمار، رغم أننا حققنا أشواطا مهمة لتحقيق ذلك. كما أن التركيز على التعليم التقني والاقتصاد الرقمي يمكن أن يفتح فرصًا كبيرة للشباب الأردني.

وفي المجال الحضري والبيئي، يمكن للأردن أن يتعلم من اهتمام رواندا بالنقل العام والنظافة والتنظيم المدني. فعمّان تعاني أزمة مواصلات واختناقات مرورية وتوسعًا أفقيًا مرهقًا، بينما يبرز تخطيط المدن طويل الأمد في رواندا في تطوير وسائط النقل الكهربائي والمترو والحافلات الحديثة، كجزء أساسي من أي نهضة اقتصادية وبيئية.

وفيما يتعلق بالنظافة وحماية البيئة، اتخذت رواندا خطوات صارمة جعلتها من أنظف دول إفريقيا. فقد منعت الحكومة استخدام الأكياس البلاستيكية منذ عام 2008، وفرضت قيودًا مشددة على تصنيعها واستيرادها وتداولها، بهدف الحد من التلوث وحماية الطبيعة والمجاري المائية. كما أطلقت برامج واسعة لإعادة تدوير النفايات وفرزها، إلى جانب حملات توعية بيئية ومشاركة مجتمعية منتظمة في تنظيف المدن والقرى، خاصة من خلال يوم العمل الوطني الشهري المعروف باسم “أوموغاندا ” (Umuganda)، الذي يشارك فيه المواطنون في أعمال النظافة والتشجير والصيانة العامة. وقد أسهمت هذه السياسات في تحسين الصحة العامة، وتقليل التلوث، وتعزيز صورة رواندا بوصفها نموذجًا إفريقيًا في الإدارة البيئية والتنمية المستدامة.

كذلك تُظهر تجربة رواندا أن الدول الصغيرة محدودة الموارد تستطيع تحقيق قفزات نوعية إذا ركزت على الإنسان والإدارة والكفاءة بدل الاعتماد فقط على الثروات الطبيعية. تُعدّ رواندا من الدول محدودة الموارد الطبيعية، إذ تفتقر إلى احتياطيات كبيرة من النفط أو الغاز أو المعادن الضخمة مقارنةً بكثير من الدول الإفريقية. كما أنها دولة صغيرة المساحة وكثيفة السكان ولا تملك منفذًا بحريًا، مما يزيد تكاليف التجارة والنقل. وتعتمد مواردها الأساسية على الزراعة التقليدية وبعض المعادن مثل القصدير والتنتالوم والتنغستن، إضافة إلى السياحة البيئية، خاصة المرتبطة بالغوريلا الجبلية.

شهدت رواندا تحوّلًا اقتصاديًا وصحيًا كبيرًا منذ كارثة عام 1994. ففي ذلك العام كان متوسط دخل الفرد سنويا منخفضًا للغاية، إذ تراوح بين نحو 100 و200 دولار سنويًا، بسبب الحرب والإبادة الجماعية والانهيار الاقتصادي، بينما ارتفع اليوم إلى ما يقارب 1200 دولار للفرد سنويًا، وفق تقديرات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

كما شهد القطاع الصحي تحسنًا ملحوظًا، خاصة في خفض وفيات الأطفال. ففي عام 1994 وصلت وفيات الأطفال دون سن الخامسة إلى مستويات كارثية قاربت 389 وفاة لكل ألف ولادة حية، بينما انخفضت اليوم إلى نحو 40 وفاة فقط لكل ألف ولادة، نتيجة تحسين الرعاية الصحية والتطعيمات والنظافة العامة والتأمين الصحي وتوسّع الخدمات الطبية.

فالتنمية الحقيقية لا تحتاج إلى موارد طبيعية، بل تبدأ من بناء الثقة بالمؤسسات، واحترام القانون، وإعطاء الأولوية للتعليم والإنتاج والمعرفة والصحة وبرامج التقاعد. ورغم هذه المحدودية في الموارد الطبيعية، سعت رواندا إلى تعويض نقص الموارد عبر الاستثمار في التعليم والتكنولوجيا والإدارة والتنمية البشرية وتحسين البنية التحتية.

خلاصة القول إن قصة رواندا ليست مجرد حالة انتقال سريع من أجواء الحرب والتطهير العرقي المرعب إلى النمو والازدهار والسعادة، بل غدت مثالا يحتذى في قدرة المجتمعات النامية على إعادة اكتشاف أو اختراع نفسها أو تفعيل قدراتها البشرية، وذلك عندما تتوافر الإرادة السياسية، وخطة واضحة وطويلة الأمد للازدهار والانضباط المؤسسي.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى