
حين تهرب القوافل من الأردن… من يحكم الدولة: الحكومة أم أصحاب الامتيازات؟
بقلم: د. محمد تركي بني سلامة
لم تعد قضية رسوم الأغنام السورية مجرد ملف عابر يتعلق بإجراءات تفتيش أو تنزيل أو خدمات لوجستية، بل تحولت إلى قضية رأي عام تمس هيبة الدولة الأردنية، وقدرتها على إدارة مصالحها الاقتصادية، وحماية مكانتها التجارية في الإقليم. الأخطر من ذلك، أنها كشفت ــ بوضوح صادم ــ عن خلل عميق في العلاقة بين السلطة العامة وبعض الجهات التي يبدو أنها باتت تتحكم بمفاصل اقتصادية حساسة دون مساءلة حقيقية.
ما كُشف مؤخرًا حول وجود شركة لوجستية تتقاضى مبالغ طائلة مقابل عمليات التنزيل والتفتيش، يطرح أسئلة ثقيلة لا يجوز الالتفاف حولها أو دفنها تحت ركام التصريحات الإنشائية. فإذا كانت هذه الرسوم الباهظة قد دفعت الحكومة السورية إلى اتخاذ قرار استراتيجي بتحويل مسار النقل إلى السعودية عبر العراق بدلًا من الأردن، فنحن أمام خسارة اقتصادية وسيادية لا يجوز التقليل من شأنها.
كيف وصلت الأمور إلى هذه المرحلة؟
ومن الذي سمح بتحويل الأردن من ممر تجاري تنافسي إلى عبء مالي يدفع التجار والمصدرين للبحث عن طرق بديلة؟
المسألة هنا لا تتعلق فقط بخسارة رسوم عبور أو تراجع حركة النقل، بل بضربة مباشرة لمكانة الأردن الاقتصادية، ولموقعه الجغرافي الذي طالما اعتُبر نقطة قوة استراتيجية. فعندما يقرر التجار الهروب من المسار الأردني، فهذا يعني أن هناك من أساء إدارة الملف إلى درجة جعلت البديل أكثر جاذبية وأقل كلفة وأكثر احترامًا لمصالح الناس.
والأخطر من كل ذلك، أن الروايات المتداولة توحي وكأن هذه الشركة تعمل في منطقة خارجة عن سلطة الدولة، وكأن الحكومة مجرد متفرج لا يملك قرارًا ولا ولاية. وهنا يصبح السؤال مشروعًا بل واجبًا: هل أصبحت بعض الشركات فوق الرقابة والمحاسبة؟ وهل تحولت الدولة إلى كيان عاجز عن ضبط مصالح خاصة تتحكم باقتصاد البلاد وحدودها ومعابرها؟
المادة ٤٥ من الدستور الأردني لم تترك مجالًا للاجتهاد أو التهرب، إذ نصت بوضوح على أن مجلس الوزراء “يتولى مسؤولية إدارة جميع شؤون الدولة الداخلية والخارجية”. وبالتالي، فإن أي ضرر يلحق بالاقتصاد الوطني نتيجة قرارات أو امتيازات أو ممارسات غير منضبطة، تقع مسؤوليته السياسية والإدارية على الحكومة أولًا وأخيرًا.
فإذا كانت الحكومة تعلم بما يجري وسكتت، فهذه كارثة سياسية وأخلاقية.
أما إذا كانت لا تعلم، فالكارثة أكبر، لأنها تعني أن إدارة الملفات الحيوية باتت تتم خارج مؤسسات الدولة، وأن هناك من يقرر ويقبض ويؤثر على الاقتصاد الوطني دون رقابة حقيقية.
الأردنيون اليوم لا يريدون بيانات علاقات عامة، ولا تبريرات باردة، ولا لجانًا تُدفن نتائجها في الأدراج. الناس تريد إجابات واضحة وصريحة:
من المستفيد من هذه الرسوم؟
ومن الذي حمى هذه المنظومة؟
ومن سيحاسب على خسارة خط النقل الأردني لصالح العراق؟
ومن يعوض الاقتصاد الوطني عن الضرر الذي أصابه؟
إن استمرار الصمت الرسمي لم يعد مجرد تقصير إداري، بل بات يهدد ثقة الناس بالدولة نفسها. فالدول لا تُقاس فقط بالنصوص الدستورية، بل بقدرتها على فرض هيبتها، وحماية مصالح شعبها، ومنع أي جهة من التحول إلى سلطة موازية فوق القانون.
وحين تهرب القوافل من الأردن، فالمشكلة لم تعد في الطريق… بل فيمن يدير الطريق.
