
تأملات قرآنية
د. هاشم غرايبه
يقول تعالى في بداية سورة البقرة: ” الم . ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ”.
إذا اعتبرنا أن هذه الآيات هي ما ابتدأ الله به قرآنه الكريم، حيث أن سورة الفاتحة متفق عليها أنها هي التي ذكرها الله تعالى بمسمى السبع المثاني، فهي كيان مستقل بذاته عن القرآن بدليل قوله تعالى: “وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ” [الحجر:87]، فعلينا التأمل مليا في دلالات ذلك.
1- اذا سلمنا بأنه لا ترادف في ألفاظ القرآن، فكل لفظة لها معنى دقيق، فإن (الكتاب) مختلفة عن (القرآن)، فهي لفظة أعم وتشير أحيانا حسب السياق الى القرآن المدون في اللوح المحفوظ: “بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ . فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ” [البروج:21-22]، أو الى سنة كونية: “وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ” [الحجر:4]، أو الى سجل الأعمال يوم القيامة: “وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا” [الكهف:49]، أو الى عموم الكتب السماوية: “وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ” [آل عمران:119] ، أو الى القرآن الكريم: “كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ” [ص:29]، وقد يكون دالا على الحكمة والمعرفة التى أعطاها الله تعالى لرسوله الكريم زيادة على القرأن الموحى به، بدلالة حرف العطف الواو: “طس ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ” [النمل:1].
أما القرآن فهو الكتاب الذي انزله الله تعالى على رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.
2 – إن دلالة استعمال اسم الاشارة (ذلك) الدال على البعيد، جعل البعض يقولون أن الكتاب هنا هو اللوح المحفوظ، اذ لو قصد به القرآن لقال (هذا)، لكن تعريفه بأهم صفاته وهي أنه هدى للمتقين يؤكد بأنه القرآن، اذ كيف للبشر أن يهتدوا ويكونوا متقين نتيجة لذلك إن لم يمكنهم معرفة هذا الهدي، فاللوح المحفوظ غير متاح للبشر أصلا الاطلاع عليه.
لذلك فاستعمال اسم الاشارة ذلك قد يكون (والله أعلم) للدلالة على بعد المكانة وسموها، وليس على بعد المكان.
3 – من المهم معرفة المراد بقوله تعالى “لا ريب فيه”، وهذه العبارة أذهلت المتفكرين، وأدت الى دخول بعض غير المؤمنين في الإسلام بعد تمعنه فيها، إذ أنه لو كان القرآن وضعه بشر لما جرؤ على الجزم منذ بدايته بأن ما سيرد فيه لا مجال للشك في صحته، فلا أحد من البشر يجزم بشكل قاطع بصحة ما يعرفه، وحتى أكثر الكتاب عبقرية يراجع ما كتبه، وفي كل مراجعة يجد أنه بحاجة الى أن يبدل ويعدل، لأنه لا أحد يمتلك العلم اليقيني المطلق الصحة، إلا من بيده مقاليد الأمور كلها ولا يعجزه شيء.
جميع المفسرين الأقدمين، فسروا الريب بأنه الشك، واعتمدوا في ذلك على المراجع اللغوية، والتي هي جميعا قالت بذلك، لكن ذلك ليس صحيحا لأنه لا ترادف في ألفاظ القرآن، ولقوله تعالى: “وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ” [هود:110]، والذي يدل على أن الشك أمر آخر غير الريب.
ولفهم ذلك فعلينا أن نعلم أن درجات العلم أربع: أعلاها اليقين، يليه الريب، ثم الشك وآخرها الجهل.
العلم اليقيتي أمر غير متاح للبشر، لأنه يعني المعرفة المطلقة التي تحيط بالشيء من جميع الجوانب، والوصول اليه بالعقل البشري بشكل قاطع غير ممكن بسبب دوام التطور المعرفي، لذلك فهو أمر مختص بالله فقط.
الدرجة الثانية هي الريب، وهي كل نقص عن المعرفة المطلقة مهما كانت نسبته، لكن الترجيح فيه للمعرفة الأقرب الى الصحة أعلى من الشك بخطئه.
الدرجة الثالثة هي الشك والتي تعني ترجيح عدم القناعة بالمعلومة أكثر من التصديق بها، أي بما نسبته أقل من 50%.
أما الدرجة الأخيرة فهي تلك التي يقول فيها المرء: لا أعلم.
إذاً فالمعنى المراد من الآية (والله أعلم)، أنه لا يوجد أدنى ارتياب في ما ىسيقوله هذا الكتاب، لأن الله لا يفرض على العقل البشري ما ليس بقدرته وهو اليقين المطلق بسبب أن الأمر غيبي، لكنه يؤكد للمتقين منذ البداية أنه سيقترب منه رويدا رويدا كلما تعمق في قراءة هذا القرآن الذي يسره الله للذكر.