تأملات قرآنية

تأملات قرآنية

د. هاشم غرايبه
يقول تعالى في الآية 62 من سورة البقرة: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ”.
استغربت إجابة مفتي الديار المصرية عن سؤال عمن هو مؤهل لدخول الجنة، هل هم المسلمون فقط أم كافة متبعي الرسالات السماوية، فقد أجاب بأنه كل من يشهد بالألوهية لله مهما كانت عقيدته، مستدلا بهذه الآية.
لا شك بأن هذا المفتي ليس جاهلا بعلم التفسير حتى يُصحَّح، بل هو يقصد ما قاله، ويعلم أن تفسيره لمقصد الآية هو من باب لي عنقها لتوافق هوى ومطلب من بيدهم تعيينه أو إقالته، ولا شك أنه يعلم أنه بذلك اشترى دنياه بآخرته.
معنى هذه الآية المحكمة واضح لا لبس فيه، وهي تحدد بدقة المؤهلين لنيل رحمة الله التي تدخل الناس الجنة، فابتداؤه تعالى تعداد أتباع الرسالات السماوية جاء للحصر بأن الشرط الأول لنوال الأجر في الآخرة هو أحد هؤلاء الفئات الأربع.
بعدها يأتي التفصيل بقوله تعالى (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحا)، فالمؤهلون من هذه الفئات الأربع هم فقط من حقق الشرطين الآخرين، الأول الإيمان بالله مقترنا بالإيمان باليوم الآخر، والثاني العمل الصالح، وبذلك نعرف بدقة وبلا لبس من سينال الأجر العظيم وهو الجنة، فمن حقق المتطلبات الثلاثة مجتمعة فهو فقط من حق له أن يأمل بنوال رحمة الله، لذلك فليطمئنوا الى مصيرهم السعيد ولا يخافوا أن يمسهم عذاب الله، ولا يحزنوا على ما فاتهم من ملذات دنيوية، تركوها طمعا بنوال الأجر في الآخرة.
في الصياغة اللغوية جملة من المحطات التي يجب التوقف عندها للتأمل في دلالاتها، أهمها:
ان تعداد الفئات المؤمنة لم يأت بحسب التسلسل الزمني للرسالات، فابتدأ تعالى بالذين آمنوا، وهي إشارة الى من اتبع الرسالة الخاتمة، بدليل عدم ذكر عبارة (الذين أسلموا)، ثم تلاها بذكر متبعي الرسالة الموسوية ثم النصارى، وأخيرا الصابئين، وهم الذين اتبعوا الرسالات الأقدم منذ نوح وإبراهيم عليهم السلام وكان هؤلاء قلة متفرقين حافظوا على عقيدتهم، وبعضهم اتبع الرسالات التالية حينما علم بها، وآخرهم في جزيرة العرب كانوا يدعون الموحدين، ومنهم زيد بن عمرو وورقة ابن نوفل.
لذلك جاء ابتداء تعداد الفئات بمتبعي الرسالة الخاتمة ترتيب قدر ومنزلة، كونها جاءت مصدقة لما قبلها، فلم تنكر فضل من سبقها، ولكونها حاملة للدين الكامل والتشريعات النهائية للأمة المؤمنة، التي هي عند الله أمة واحدة متصلة أولها بآخرها، بغض النظر عن انتماءاتها العرقية والقومية والتاريخية.
بعد أن أنزل الله الرسالة الخاتمة، فأكمل الله لهذه الأمة دينها وفصل لها منهجها، فما الحاجة إذا لاتباع العقائد السابقة؟.
من هنا حدد الله الذين حققوا الشرط الأول بـ (الذين آمنوا) أي الذين أسلموا، والدليل هو واو العطف التي جاءت لتضيف الفئات الثلاث الأخرى، فلو كانت (الذين آمنوا) شاملة لهذه الفئات، لما كان هنالك واو العطف قبل كل فئة، التي تعني التماثل في الجنس لكن الاختلاف في الجوهر.
مثال لتوضيح هذه المسألة الدقيقة، نقول: كان في ساحة الدرسة المدير والمعلمون والطلاب، فكانت الواو هنا للتماثل في الجنس مع الاختلاف في الصفة.
لكن يمكننا اختصارا القول (الهيئة التدريسية والطلاب)، وإذا أردنا أن نوضح من هم الهيئة التدريسية نتبعها ب: (أي المعلمون)، لكننا لا يمكننا القول الهيئة التدريسية والمعلمون، فالواو هنا تعني أن الهيئة التدريسية هم فئة أخرى غير المعلمين.
مما سبق نستنتج أن المقصود بالإيمان هو برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، سواء كانوا مؤمنين بالرسالات السابقة أو أنها لم تصلهم، لأن الإسلام يجب ما قبله.
السؤال الهام هنا: هل يعني ذلك أن الذين آمنوا بالرسالات السابقة باطل إيمانهم؟.
بالطبع كلا، ولهذا جاءت واو العطف التي تفيد الإضافة أيضا، فيصبح معنى الآية واضحا قاطعا، وهو أن كل المؤمنين الموحدين من متبعي الرسالات السابقة ولم يدركوا الرسالة المحمدية مشمولون بالتأهل لنيل رحمة الله إن آمنوا به وباليوم الآخر وعملوا من الصالحات ما يثقل موازينهم.
أما من أدركها، أو فيما بعد نزولها وكفر بها فقد انتقض إيمانه، ولا ينفعه تحقق الشرطين الآخرين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى