
#تأملات_قرآنية
د. هاشم غرايبه
يقول تعالى في الآية 26 من سورة آل عمران: “قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”.
في هذه الآية الكريمة، توجيه وتعليم من الخالق المدبر لرسوله الكريم، ومن خلاله لمن اتبعه من المؤمنين، يتضمن أهم سننه الكونية في صعود الأمم والأفراد أو سقوطهم.
فلا يحدث ذلك بالصدفة ولا لحسن الحظ أو سوئه، ولا لعامل ذاتي من مهارة فلان أو قدرات خارقة لأمة، بل هو من تقدير العليم الخبير، الذي يصرف كل الأمور بما يحقق حكمة أرادها.
خطرت ببالي هذه التأملات، وأنا استمع الى خطابات رؤساء الدول في قاعة الأمم المتحدة مؤخرا، وكيف أن من يخشون أفول أممهم من الدول التي تحتكر القوة والسيادة حاليا، يحاولون الإيهام بدوام مجدهم، غير مصدقين أن ما نال أمما كثيرة عبر التاريخ من تفكك وسقوط سيحيق بهم.
ولو كانوا مؤمنين لعرفوا مصيرهم المرتقب من قوله تعالى: “أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ” [الروم:9].
طوال التاريخ البشري، رأينا امبراطوريات علت في الأرض، فسادت زمنا، حتى ظن أهلها أنه لن يقدر عليها أحد بسبب قوتها الطاغية، وغناها الفاحش، لكنها سرعان ما بادت وأنزوت، لتصعد بدلا منها قوة أخرى، ربما لم تكن في الحسبان.
هذه حقيقة حتمية، مثل الحياة والموت، ليس فيها استثناءات و لا احتمالات، لكن غير المؤمنين عنها غافلون.
أعظم القوى التي صعدت في زمن ما، طال أو قصر كانت الامبراطورية الصينية والفارسية والأوروبية بشكل الإغريق والرومان والبيزنطيين والانجليز، وظلت تتبادل السادة على العالم، الصين هزمتها دولة لا توازي عشر حجمها وهي اليابان مرتين واحتلت أراضيها زمنا.
أما الإغريق فقد تفوقوا على باقي الغرب علميا وثقافيا وعسكريا، وأصبحت قوتهم البحرية هي الأعظم عالميا، ليأتي الرومان ويرثوها وينتقلوا الى مرتبة الصدارة ثمانية قرون، أما البيزنطيون فبحكم موقعهم على تماس مع الفرس، كان صراعهم معهم، الذين طردوهم من مستعمراتهم الشرقية (فلسطين والشام) في القرن السادس الميلادي، فحزن المسلمون الذين كانوا في فجر نهوضهم، لأن الوثنيين انتصروا على أتباع رسالة سماوية، لكنه تعالى طمأنهم الى أن الأيام دول وسينتصر الروم بعد بضع سنين.
كان المفترض ان تكون البعوث الأولى (مؤتة وتبوك وبعث زيد) للدولة الاسلامية الناهضة ضد القوة المهزومة (الفرس)، فهم أسهل مناجزة من قوة منتصرة (الرومان)، لكن كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم رؤية استراتيجية، فهو يريد تحرير الأرض التي بارك الله فيها، وتعليم العرب المنصاعين للمحتل أن تفوقه ليس قدرا محتوما، فالله ينصر المؤمنين الصادقين رغم قلة عددهم وعدتهم، ولذلك رأينا رسول الله وهو في ساعاته الأخيرة لا يشغله أكثر من إنفاذ بعث زيد.
وهنا يبرز السؤال: هل صعود الأمم أو هبوطها، هو أمر حتمي قدره الله في سابق علمه، فلا قدرة للبشر على تغييره او تعديله؟.
قبل الإجابة يجب أن نفهم ما هو القدر المكتوب.
إنه ليس كما يعتقد البعض سجلا في اللوح المحفوظ، ومدونة فيه الأحداث التي ستلم بالبشر أفرادا وجماعات من قبل أن يبرأها، بل هو جملة هائلة من التقاطعات والمعادلات التفريعية للسنن الكونية الثابتة التي وضعها الخالق الحكيم لتحكم كل مفردات الحياة، لذلك فهي متداخلة متشابكة، يصعب على العقل البشري الاحاطة بها أو فهم كل الحكم الكامنة فيها.
هذه المعادلات على ثلاثة أنواع: ذاتي ، وموضوعي ، وتوفيقي. وهي نفسها للأفراد والجماعات.
الذاتي هو الأساس، ويتضمن الصلاح والإخلاص والتهيؤ والإعداد.
والموضوعي متعلق بالقوى المنافسة، لآن من طبيعة القوة الصاعدة التفرد واحتكارالقوة، لذلك فتقصير القوة المنافسة المرشحة للصعود بأي من المتطلبات الذاتية، قد يعوض النقص، فتصعد قوة على أكتاف الآحرين.
أما العامل الثالث وهو توفيق الله، فهو عطاء إلهي خاص بالفئة المؤمنة، ويتراوح حجم هذا العطاء بحسب قربها من الله واتباعها منهجه.
العاقل هو من يستخلص الدروس مما سبق.

