
الطريق إلى عمراوة ….
عند الفجر ، مآذن القرية تعلن إقامة الصلاة ، نسائم آب تعد بيوم لطيف ،إلا أنها تنشر اللهيب عند الظهيرة.
“باص” القرية يتمركز في وسطها ، عند المسجد الكبير بعد قليل سيعج بالمسافرين ، أول نقلة كانوا يسمونها : نقلة “المقاطيع” فلا أحد يخرج في هذا الوقت إلا من حكم عليه بالإبعاد والنفي خارج حدود المكان والزمان ؛ بعض العسكر وطلاب جامعات بعيدة ، ومعلمون جدد تم نفيهم إلى مناطق نائية … وثمة رجل مسن كان يصعد كل يوم بصعوبة ؛ ربما كان ينفي نفسه بعيدا يستجدي لا يعرفه هناك أحد فلقمة العيش لها أحكامها !!
على الضفة الأخرى تحضر المعلمة نعمة حاجاتها لتلتحق “بالباص” وإلا فاتها الطابور الصباحي ؛ وللمدرسة قوانين ولا استثناآت …
من أقصى غرب إربد لأقصى الشمال ، هناك تقع قرية عمراوة ، ليس بينها وبين سوريا إلا واد سحيق ، من أعلى المدرسة ترى قراهم الجميلة ومزارعهم الغناء وبيوتهم المنمنمة …..
ما أطول الطريق إلى عمراوة !!
تنهدت نعمة وهي تسحب جسدها بخفة وليونة وراء باب منزلها لتنسرق من أطفالها الاربعة ؛ أكبرهم في السابعة ، وأصغرهم طفلة رضيع ، بعد قليل ستصحو تبحث عن صدر أمها وستنظر في الوجوه باحثة ثم ستبكي بلا جدوى ….مسلسل يومي حزين ، يثور الحنان في قلب نعمة فتعود تحضن طفلتها بحرارة : سيكون الغد أفضل بإذن الله ،قريبا سأنتقل، وستفخرين بأمك ، وستحصلين على كل ما تتمنين …ثم انسحبت بسرعة لتستقل الباص فأمامها رحلة طويلة تمتد ساعتين ، تستقل خلالها أربع حافلات في طريق الذهاب ، وإذا حالفها الحظ فستلتحق بالباص المختصر من مجمع عمان إلى المدرسة مباشرة ، سيوفر الوقت والمسافة ، ينطلق في السابعة يسمونها نقلة المعلمين ، طبعا القادمين من إربد وما حولها إلى قرى الرمثا …
ولا أدري لماذا لم يسمونها نقلة ” المقاطيع ” ؟ هل هناك مقاطيع أكثر من المعلمين !!
باص السابعة وحده حكاية : فالسائق أرعن وأهوج ،يعشق النظر في المرآة ، تارة ينسق وجهه وشعره ، وتارة يستكشف الموجودين لا ينطلق حتى يعمل مسحا شاملا للخلف..عند الانطلاق يضع الأغاني الصاخبة في حركة استفزازية !! يعترض أحد المعلمين وبعد نقاش حاد يحول إلى إذاعة عمان حيث يصدح صوت فيروز : سألتك حبيبي لوين رايحيين ؟ ربما إلى الهاوية مع هذا السائق !!!في أخر مرحلة من الطريق بين مغير راحوب وقرية الشجرة طريق ضيق ومتعرج وخطير ،تحته واد سحيق ،أي خطأ وأي هفوة تكون الكارثة وموت محقق ! و مما كان يلطف الأجواء هي تلك الصداقة الصامته التي نشأت بين المعلمين ؛ توحدهم المغامرة ،وبعد المكان ، وجميعهم حصلوا على وظائفهم بعدما نفد صبرهم ، ترى الشيب غزا رؤوسهم .
منهم من ظهرت عليه البساطة بل السذاجة ، فيبحث في رحلته عن عروس ، ظن أنها ستساعده في بناء مستقبله ، طريقة البحث ينظر في أصابع يديها خلسة ، يظن أنه وجد ضالته فيرسم آماله وأحلامه …بعد فترة يكتشف أنها متزوجة ، وأنها في ذلك اليوم نسيت خاتم زواجها وهي في عجالة ؛أو ربما باعته في لحظة يأس لتشتري زجاجة دواء لطفلها …فالفقر له أحكامه !!
الكثير من الشجون ، والكثير من الخواطر لكن بحمد الله يصل الجميع بسلام ، كل إلى مدرسته ، إلى عالمه الخاص ، غرفة الصف وطلابه …ولكل منهم حكايته …..
