أصل المشكلة

#أصل_المشكلة

د. هاشم غرايبه

منذ القدم توافقت المجتمعات البشرية على تشكيل تحالفات قبلية ثم قومية الى ان تحولت الى دول، بهدف التعاون لحماية الأفراد وتحقيق الرفاهية، تبين استحالة تحقيق العدالة الاجتماعية، اذ سريعا ما تكونت فئة الطامعين والمستحوذين على أكثر من نصيبهم من خيرات المجتمع، هؤلاء سماهم الله المترفين، والذين يدعون بالتسميات المعاصرة: البرجوازيون.
ونتيجة لفسادهم وطغيانهم، ظهر الفساد وعمت النزاعات والتقاتل، فأنزل الله هديه للبشر تحت مسمى الدين، ليكون حكما عادلا يفصل في النزاعات، ومرجعا نزيها يحمي حقوق الضعفاء من عسف المترفين.
كان من الطبيعي ان يناصب هؤلاء منهج الله العداء، لأنه سيحرمهم من امتيازاتهم التي لم ينالوها بجدهم وجهدهم بل ظلما وطغيانا، لذلك كذبوا الرسل، واتهموا الدعاة بالاتجار بالدين، ومانعوا كل محاولة من المصلحين الوصول الى السلطة.
في العقيدة النصرانية نجحوا مبكرا في السيطرة عليها من خلال البابوية الكنسية، فأفرغوها من محتواها التشريعي الناظم للمجتمع، وما أبقوا منها إلا القيم التراثية والمواعظ الأخلاقية الفردية.
أما العقيدة الاسلامية فقد حماها كتاب الله فلم يمكنهم ذلك، لذلك وبعد نجاحهم بالقضاء على الدولة العثمانية كآخر نسخة من الدولة الاسلامية الجامعة، تركزت جهودهم على منع قيام هذه الدولة من جديد، فقسموا ديار الاسلام الى دويلات، ونصبوا على كل واحدة نظاما علمانيا مهمته الأساسية التصدي لأية محاولة إحياء منهج الله سياسيا، لذلك نلاحظ أنه رغم أن هذه الأنظمة متباغضة فيما بينها ومتشاكسة، إلا أنها في العداء للإسلاميين متوافقة وبأعلى درجات التنسيق.
في غفلة من هذا الحرس العلماني الشديد، تمكن اسلاميو تركيا في غام 2003، وبعد عدة محاولات فشلت جميعها، من الوصول الى الحكم، ولما أنهم عرفوا أن اسباب فشلهم سابقا كان انكشاف نواياهم الاسلامية، مما نبّه تحالف المعادين لمنهج الله: الغرب من الخارج مع أيتام أتاتورك من الداخل، لذلك أعلن هؤلاء الإسلاميون أنهم ملتزمون بمبادئ أتاتورك، ولم يكشفوا نواياهم الحقيقية المتمثلة بإعادة تركيا الى ماضيها التليد قبل العهد الأتاتوركي البغيض، إلا بعد أن تمكنوا من نيل ثقة الشعب وتأييده عندما لمس صدقهم ونظافة أيديهم والتي أثمرت نجاحات في الارتقاء ببلادهم في جميع المجالات، بخلاف ما كانت عليه من فساد وفشل إبان الحقبة العلمانية.
بالطبع فتحالف المعادين لمنهج الله لا ييأس من محاولته اجتثاث الدين، وعلى الأقل تحييده وتهميش دوره السياسي، لذلك كانت الحرب شعواء على قيادة اسلاميي تركيا، وشارك بها كافة اطراف التحالف، ابتداء بقيادته الممثلة بالغرب، وبعملائهم في تركيا وهم عدة أجيال رباهم أتاتورك وأيتامه الذي خلفوه ثمانين سنة، كما تجند معهم علمانيو العرب الذين يمثلون التسمية المعاصرة للمنافقين، وانضم الى الجوقة الأنظمة العربية وأزلامها ومريديها، لخوفها من أن تكون النجربة التركية ملهمة ومحفزة للأسلاميين العرب لأن يحذوا حذوهم، فتزلزل الأرض تحت كراسيهم العفنة.
شهدت تركيا مؤخرا شن حملة تنمر من رموز علمانية استهدفت السييدة “زينب غونيش” رئيسة بلدية “ميهال غازي” بسبب ارتدائها الزي الشعبي التقليدي، الذي يراعي الضوابط الإسلامية، مما حدا بالرئيس “أردوغان” للإنتصار لها، وأجلسها بجانبه في البرلمان، رادا لها الاعتبار، وألقى خطابا دعا فيه الى تعديل ما أسماه “دستور الانقلابات”، والمعروف أنه وضع إبان الحقبة الأتاتوركية ببنود صارمة تقمع أية مظاهر اسلامية، وفرضت العلمنة على الشعب رغم أنهم مسلمون وبنسبة 99%.
في حقيقة الأمر، كان العداء للدين هو الدافع لتأسيس الحركة العلمانية، ومن أسسها هم المترفون ذاتهم، وكانت ذريعتهم أن الدين يفرق بين الناس في حقوق المواطنة، لكنها وسيلتهم الخبيثة للتصدي لمنهج الله ومحاصرته، بدلالة أنها متبعة كليا حاليا وفي كافة أرجاء الأرض منذ زمن طويل، لكننا لم نشهد أية مساواة، ولا أحقت حقوق المواطنين بعدالة، بل شهد العالم خلال القرنين الأخيرين اللذين اعتمدت فيهما العلمانية بلا منافس، أعظم تفريق وتحيز لفئة من البشر دون أخرى، ولم تكبح جماح أكبر أعمال التفرقة العنصرية (نظرية تفوق العرق الأبيض)، بل كان هنالك رعاية لأقذر حركة عنصرية عرفها التاريخ (الصهيونية)، وتغاضٍ كامل عن استخدامها الدين كمبرر لسلب الآخرين، ليس حقوقهم فقط بل ديارهم وأملاكهم.
هكذا نجد ان العلمانية مجرد خدعة لغايات تهميش دور الدين، الذي هو المنهج الوحيد المحقق للصلاح والعدالة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى