
#سواليف
في خطوة أثارت موجة من القلق والاستياء في أوساط اللاجئين الفلسطينيين، أعلنت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، مؤخرا، عن تقليص الدوام المدرسي في مدارسها بالضفة الغربية إلى أربعة أيام أسبوعياً، بدلاً من خمسة، وذلك في إطار إجراءات تقشفية فرضتها الأزمة المالية الحادة التي تمر بها الوكالة.
ويأتي هذا القرار في وقت يعتمد فيه آلاف الطلبة اللاجئين على خدمات “أونروا” التعليمية، ما يطرح تساؤلات جدية حول تأثيراته المباشرة على جودة التعليم، ومستقبل العملية التعليمية، إضافة إلى تداعياته الاجتماعية والنفسية على الطلبة وأسرهم.
ويأتي هذا القرار في ظل أزمة مالية غير مسبوقة تعاني منها “أونروا”، نتيجة تراجع التمويل الدولي، وتأخر أو تعليق مساهمات عدد من الدول المانحة. وتشير التقديرات إلى أن الوكالة تواجه عجزاً مالياً بمئات ملايين الدولارات، ما يهدد قدرتها على الاستمرار في تقديم خدماتها الأساسية، وعلى رأسها التعليم والصحة والإغاثة.
ضغوط مالية وسياسية متزايدة
يقول وكيل دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير أنور حمام إن الأزمة المالية التي تعيشها “أونروا” لم تعد ظرفاً طارئاً، بل تحوّلت إلى واقع مزمن، مع استمرار انخفاض الدعم الدولي وتأخر وصول التمويل من الدول المانحة.
ولفت إلى أن الأزمة تفاقمت في ظل ضغوط سياسية متزايدة، خاصة بعد أحداث السابع من أكتوبر، وما تبعها من اتهامات طالت الوكالة، وصولاً إلى صدور تقرير دولي عُرف باسم “تقرير كولونا”، والذي تضمّن مجموعة من التوصيات التي أثّرت بدورها على استقرار عمل الوكالة.
وفي هذا السياق، يعكس الواقع الميداني تدهوراً تدريجياً في مستوى الخدمات، امتدّ لأكثر من 14 عاماً، نتيجة سياسات تقشفية متراكمة، ازدادت حدّتها بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، ما يثير مخاوف حقيقية من استمرار هذا التراجع واتخاذ قرارات أكثر قسوة في المستقبل.
قرارات تقشفية غير مسبوقة
في محاولة للتعامل مع الأزمة، اتخذت “أونروا” سلسلة من الإجراءات التي وُصفت بأنها غير مسبوقة، كان أبرزها تقليص أيام الدوام الرسمي إلى أربعة أيام أسبوعياً، إلى جانب تخفيض ساعات العمل للعاملين.
كما شملت القرارات تخفيض أجور الموظفين، بما في ذلك المعلمون، بنسبة وصلت إلى نحو 20%، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، خاصة مع تطبيقها على الموظفين المحليين دون أن تشمل الموظفين الدوليين، وهو ما يطرح تساؤلات حول معايير العدالة الوظيفية داخل الوكالة.
وطُبّقت هذه الإجراءات على الأقاليم الخمسة التابعة للوكالة، بالتوازي مع إيقاف بعض فرق العمل، في ظل تدهور القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما زاد من تعقيد الأوضاع الاقتصادية للعاملين.
قطاع التعليم تحت الضغط
ويؤكد مدير مدرسة تابعة للوكالة في مخيم الامعري وسط رام الله بالضفة الغربية أن تلك القرارات انعكست بشكل مباشر على قطاع التعليم، الذي يُعدّ من أبرز خدمات “أونروا”، حيث أصبح التعليم الوجاهي مقتصراً على أربعة أيام فقط أسبوعياً، مع التوجّه نحو اعتماد التعليم الإلكتروني والتعليم عن بُعد كبدائل جزئية.
غير أن هذه البدائل، وفق المدير الذي طلب عدم ذكر اسمه خشية من إدارة الوكالة، “لا تحقق نفس الفاعلية التعليمية، خاصة في البيئات التي تفتقر إلى البنية التحتية التكنولوجية المناسبة، ما يفاقم من التحديات التي يواجهها الطلبة”.
ويبرز في هذا السياق تراجع واضح في جودة العملية التعليمية، في ظل الفارق بين مجرد استمرار تقديم الخدمة وبين الحفاظ على مستواها ونوعيتها، وفق مدير المدرسة.
كما تتواصل التأثيرات التراكمية التي بدأت منذ جائحة كورونا، والتي لا تزال تلقي بظلالها على مستوى التحصيل العلمي.
وفي موازاة ذلك، برزت ضغوط إضافية تتعلق بالمناهج الدراسية، بما في ذلك الحديث عن حذف أو تقليص بعض القضايا الوطنية، الأمر الذي أثار حالة من القلق في أوساط المعنيين بالشأن التربوي.
ويستدرك “رغم ذلك، لا يمكن إغفال بعض الجهود التي بذلتها الوكالة لإعادة التعليم الوجاهي في مناطق الأزمات، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من استمرارية العملية التعليمية، في مشهد يعكس حالة من الصمود في ظل ظروف معقّدة”.
تراجع الخدمات الصحية
لم يكن القطاع الصحي بمنأى عن هذه الإجراءات، إذ تم تقليص عمل العيادات الصحية لتصبح أربعة أيام أسبوعياً، ما انعكس على قدرة هذه المرافق على تلبية الاحتياجات الطبية المتزايدة للاجئين.
يقول أحد العاملين في المركز الصحي التابع للوكالة في مخيم بلاطة للاجئين بنابلس إن التقليص أدى إلى زيادة الضغط على الكوادر الصحية، التي باتت تعمل في ظروف أكثر صعوبة، مع تراجع ملحوظ في جودة الخدمات المقدّمة، نتيجة نقص الموارد والإمكانات.
العاملون بين الضغط وعدم الاستقرار
كما شكّلت القرارات الأخيرة عبئاً إضافياً على العاملين في “أونروا”، خاصة مع تطبيق نسب خصم موحّدة على الرواتب، دون مراعاة الفروقات بين الفئات الوظيفية، ما أدى إلى تضرر أكبر للموظفين من ذوي الدخل المحدود.
وساهمت هذه الإجراءات في تراجع مستوى الاستقرار الوظيفي والنفسي لدى العاملين، وهو ما انعكس بدوره على الأداء العام، في ظل زيادة الأعباء الناتجة عن تقليص الكوادر وإيقاف بعض فرق العمل المساندة.
تراجع دور الإغاثة
يقول رئيس لجنة خدمات مخيم بلاطة زكي الطيراوي إن خدمات الإغاثة شهدت تراجعاً ملحوظاً، سواء من حيث عدد المستفيدين أو طبيعة المساعدات المقدّمة. كما تقلّص نطاق البطاقة التموينية، إلى جانب انخفاض الاهتمام بقضايا الشؤون الاجتماعية، ما زاد من الأعباء المعيشية على الفئات الأكثر هشاشة بين اللاجئين.
وفي ظل هذه التحولات، بدأ دور الوكالة يتجه تدريجياً نحو جمع البيانات والتنسيق مع مؤسسات دولية أخرى، بدلاً من تقديم المساعدات بشكل مباشر، مع اعتماد متزايد على الشراكات، لا سيما مع برنامج الأغذية العالمي.
ويثير هذا التوجه -وفق الطيراوي- مخاوف من أن يشكّل مدخلاً لخلق بدائل جزئية عن دور “أونروا”، وهو ما قد يؤثر مستقبلاً على طبيعة الخدمات المقدّمة، وعلى البعد السياسي المرتبط بوجود الوكالة.
مخاطر وتوقعات مفتوحة
في ضوء هذه المعطيات، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على مزيد من الإجراءات التقشفية، في حال استمر العجز المالي، ما قد يؤدي إلى تدهور إضافي في مستوى الخدمات الأساسية، خاصة في قطاعات التعليم والصحة والإغاثة.
كما يُخشى من اتساع الفجوة الاجتماعية والتعليمية والصحية داخل مجتمع اللاجئين، في ظل غياب حلول جذرية تعيد الاستقرار لعمل الوكالة.
ورغم التأكيد على أن “أونروا” لعبت دوراً ريادياً لعقود طويلة في دعم اللاجئين الفلسطينيين، إلا أن التراجع الحالي يمنح زخماً للمخاوف المتصاعدة، ويدفع نحو ضرورة البحث في تفاصيل هذه الأزمة، وتداعياتها، قبل أن تتحول إلى واقع يصعب احتواؤه.
في المحصلة، لا يُنظر إلى تقليص الدوام المدرسي باعتباره إجراءً مؤقتاً فحسب، بل كمؤشر خطير على مرحلة جديدة من التحديات التي تواجه وكالة الغوث، بما يحمله ذلك من انعكاسات مباشرة على مئات آلاف الطلبة اللاجئين، وعلى قضية اللاجئين الفلسطينيين برمتها.
يذكر أن “أونروا” تأسست عام 1949 بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، لتقديم المساعدة والحماية للاجئين الفلسطينيين في مناطق عملياتها الخمس، وتُعد المزود الرئيسي للخدمات الأساسية لملايين اللاجئين، بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية والمساعدات الغذائية والإيواء. وتعتمد الوكالة بشكل أساسي على التبرعات الطوعية من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.




