
أبناء وصفي التل الذين لا يعرفهم أحد
منى الغبين
قبل أيام كنت أقرأ عن مشروع (روابي فرح)، وأشاهد صور الأرض القاحلة التي كانت جرداء ثم تحولت إلى مساحة ذهبية فيها قمح وشعير.
لا أعرف لماذا تذكرت وصفي التل مباشرة.
ربما لأن جيلي تربى على حكايات كثيرة عنه، لم يكن الناس يتحدثون عن وصفي رحمه الله باعتباره رئيس وزراء فقط، ولكن باعتباره رجلاً وطنياً كان يرى في الأرض شيئاً يشبه الكرامة.
كان وصفي التل يفرح عندما يرى شجرة تزرع أو مشروعاً إنتاجياً ينجح أكثر مما يفرح بخطبة أو احتفال.
وأنا أتابع ما يفعله المهندس ليث دويكات في مشروعه روابي فرح، شعرت أن هناك أشخاصاً ما زالوا يفكرون بالوطن من منظور مختلف.
صحيح أن الرجل يملك المال، وكان يستطيع أن يضع أمواله في أي مشروع أسهل وأسرع ربحاً، لكنه اختار طريقاً أصعب؛ طريق الوطن، طريق الأرض والزراعة والإنتاج.
في زمننا هذا أصبح كثير من الشباب يحلمون بالهجرة أو الوظيفة المريحة أو الشهرة السريعة، وما زال هناك من يذهب إلى أرض قاحلة ويحاول أن يجعلها تنتج. وقد ينجح وقد يتعثر، لكن مجرد المحاولة تستحق الاحترام والتقدير والمتابعة.
وخطرت لي مفارقة غريبة وأنا أتابع الحديث المتواصل هذه الأيام عن نظام الطيبات ووصايا الدكتور المصري ضياء العوضي. فالكثير مما يتحدث عنه الرجل من العودة إلى الغذاء الطبيعي، والابتعاد عن الأغذية المصنعة، والاهتمام بالقمح، والطعام الأقرب إلى الفطرة، هي أفكار وجدنا من ينادي بها منذ سنوات على أرض الواقع لا على صفحات التواصل.
فالمهندس ليث دويكات، على سبيل المثال، لم يكتف بالحديث عن القمح البلدي أو الزراعة الطبيعية أو العودة إلى الأرض، بل ذهب إلى الأرض نفسها، حفر وزرع وجرب وخاطر واستثمر سنوات من عمره وماله ليحول الفكرة إلى واقع، وبفضل الله نجحت رغم التحديات.
ومع ذلك، لم تتحول تجربته إلى ظاهرة شعبية كتلك التي نراها اليوم على المنصات.
وربما لأن الناس بطبيعتهم تنجذب إلى من يقدم الحلول في منشور أو مقطع قصير أكثر مما تنتبه إلى رجل يقضي سنوات في مواجهة التراب والماء والطقس والتكاليف. فالحديث عن الفكرة أسهل بكثير من تنفيذها، ومتابعة النصائح أسهل من متابعة رحلة طويلة من العمل والصبر.
وهنا لا أقارن بين الأشخاص بقدر ما أتأمل في سلوكنا نحن.
لماذا نحتفي بالفكرة عندما تصلنا على شاشة الهاتف، بينما لا نرى صاحبها عندما تكون مزروعة أمامنا في حقل!!؟
والمهندس ليث ليس وحده.. في الأردن أشخاص كثيرون لا نعرف أسماءهم.
هناك من أعاد الحياة إلى مزرعة قديمة ورثها عن أبيه، وهناك من استصلح أرضاً مهملة، وهناك من وفر فرص عمل لعشرات الأسر في قرية بعيدة لا يزورها الصحفيون ولا تصلها الكاميرات.
وكما يوجد من يخدم الوطن بالمحراث، يوجد من يخدمه بالكلمة.
لهذا أتذكر دائماً الكاتب أحمد حسن الزعبي وغيره من الكتاب الذين ظلوا قريبين من الناس، يكتبون عن همومهم وأحلامهم الصغيرة وأوجاعهم اليومية، دون أن ينتظروا منصباً أو مكافأة.
المشكلة أننا أصبحنا نعرف أسماء كثيرة تتكرر أمامنا كل يوم، لكننا لا نكاد نعرف أسماء الذين يزرعون ويبنون وينتجون.
نعرف من يتصدر الشاشات ومن يملأ مواقع التواصل الاجتماعي.
وكأننا أصبحنا نحتفي بمن يسمع صوته أكثر ممن يرى أثره.
كثير من الناس الذين خدموا الوطن فعلوا ذلك بصمت.. لم يطلبوا مقابلاً، ولا شوارع تحمل أسماءهم.. كانوا يكتفون بأن يطمئنوا أن الوطن بخير.
لهذا لا أستطيع أن أرى مشروعاً مثل (روابي فرح) إلا وأتذكر وصفي التل…ليس لأنهما متشابهان، فلكل زمن ظروفه ورجاله، ولكن لأن الانتماء الحقيقي للوطن يظهر فيما يقدمه الإنسان له، لا فيما يقوله عنه.
وربما لهذا السبب لا يعرف الناس أبناء وصفي الحقيقيين.
فهم ليسوا الذين يرفعون صوره في المناسبات، بل الذين ما زالوا يؤمنون أن زراعة شجرة، أو استصلاح أرض، أو توفير فرصة عمل، أو الدفاع عن الناس بكلمة صادقة، كلها أشكال من حب الوطن.
هؤلاء موجودون بيننا، لكنهم لا يجيدون الحديث عن أنفسهم… ولذلك لا يعرفهم أحد.

