
السلفيون الإستنساخيون
كثيرا ما يتصدى هؤلاء لمن يتفكر في آيات الله فيكتشف فهما جديدا من وحي ما توصل اليه العلم الحديث، فيعيبون عليه ذلك بحجة أنه أمر لم يأت به السلف الصالح.
لقد أنزل الله القرآن ميسرأ لفهم كل من أتقن العربية، ولم يجعل فيه ألفاظا عصية على الفهم: “وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ “، لذلك فليس فهم معانيه مقصور على فئة مخصوصة.
الدين جعل طلب العلم فريضة، ولم يشترط في الفقيه أن يكون خريج كلية الشريعة، لذلك توسعت علوم الفقه وتنوعت، وكثر المفسرون وأبدعوا، كلٌّ في تقديم فهمه المتأتي من التفكر والتدبر للقرآن، وليس نسخ تفاسير من سبقوهم، ولولا ذلك لبقي الناس على تفسير موحد تناقلوه بحرفيته جيلا بعد جيل.
السلفيون الإستنساخيون هم نفر بالغوا كثيرا في خوفهم على الدين من التحريف، فجعلوا من أنفسه حراسا على النصوص التي اجتهدها السلف، فمنحوها القداسة وحرّموا مناقشتها، بحجة اتصالها القريب زمنيا بالسنة، وأنهم أخذوها عن النبي صلى الله عليه وسلم.
سأتناول هنا جزئية واحدة من تلك النصوص وهي تفسير النص القرآني.
النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يفسر كل آية أو يبين سبب نزولها، كان يفعل إذا سُئل أو وجد أن الحاجة تدعو لذلك، فقد كان تلاميذه من الصحابة على درجة عالية من الفهم والتمكن اللغوي، مثلما أنهم على درجة عالية من التأدب في حضرته لدرجة أنهم يستمعون له وينصتون إن تحدث، ولا يسألونه إن لم يحدثهم.
القرآن الكريم كتاب الله الأزلي، أي سابق للزمن وتالٍ له وعابر للعصور، أراده الله كذلك ليبقى مرجعا لكل البشر على مر الأزمان ولقادم الأيام، ولم ينزله لمواكبة الأحداث التي جرت في زمن النبوة فقط، وإن كانت بعض الآيات عالجت حالات ظرفية فهي قليلة، لكن معظم آياته أحكام وتشريعات وأخبار.
ولذلك من غير المعقول أن يبقى تفسير الأقدمين نصا قاطعا، فمعارفهم وعلومهم لاتتعدى زمنهم، ولا يمكن أن يُلِمّوا بالغيب من علوم المتأخرين التي هي بلا شك أوسع وأصح.
سأورد مثالا: الآية الكريمة:” وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ “، يفسرها الطبري فيقول: ويمسك السماء بقدرته كي لا تقع على الأرض إلا بإذنه. ومعنى قوله(أَنْ تَقَعَ: (أن لا تقع.
وفي تفسير ابن كثير: لو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض ، فهلك من فيها.
أما الرازي فيذهب بعيدا فيقول: لأن السماء مسكن الملائكة فوجب أن يكون صلباً. ووجب أن يكون ثقيلاً، وما كان كذلك فلابد من الهوى لولا مانع يمنع منه.
هذه هي تفسيرات ثلاثة من السلف الصالح، أما التفسير العقلي المعاصر فيقوله”سيد قطب”: إنه يعني نواميس الكون التى جعلها الله قوانين (كالجاذبية والدوران المحوري والقوة النابذة عن المركز..الخ)تعمل على تماسك الكون وثبات علاقاته، ولو شاء لأبطلها فاصطدم بعضها ببعض.
فأيها أجدر أن نتبع؟
الأقدمون كانوا يتصورون من مفاهيم عصرهم الذي كان يعتبر السماء قبة نصف كروية كالسقف، وقد ثبت أنها ليست كذلك!
لو أراد الله ان يوقف التطور في فهم الدين على ما جاء به السلف الصالح، كما يرى السلفيون الإستنساخيون، لما قيض لكل عصر علماؤه، ولبقينا نعيش في معارف القرن الثامن.
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:” إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا”.
قال تعالى في تمييز هؤلاء المجددين الساعين الى النهوض بالأمة، عن أولئك الإستنساخيين الذين يكتفون بالقص واللصق فلا يعملون عقولهم في فهم آيات الله :” وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا”.

