
اعلام عربي
حدثتني والدتي انه حين وُلِدت، اراد والدي ايصال خبر ولادتي لبيت جدي لامي في بلدتنا الاصلية، فذهب الى موقف سيارات الاجرة وطلب من احد السائقين ان يخبر جدي إن ابنته انجبت ولداً. كان الزمن اللازم لتوصيل ذلك الخبر يوما كاملا لان السيارات التي لم يتجاوز عددها الثلاثة كانت تأتي الى اربد محملة بالقادمين للمدينه وترجع في اخر النهار لتعيدهم الى القرية.
اليوم نحن في عصر السرعة التي تصل فيها الاخبار حال وقوعها (واحيانا قبل وقوعها). وقد تعددت وسائل الاتصال وباتت المعلومات والاخبار على بعد لمسة على جهاز الهاتف الذكي.
وبالرغم من ذلك فإننا لا نستطيع ان نقول ان وعي المواطن اصبح افضل لعدة اسباب؛ لعل اهمها ان كمية المعلومات غير الموثوقة وغير الموثقة اصبحت كثيرة واصبح من الصعب عليه تمييز الغث من السمين والخروج باستنتاج منطقي لما يحدث.
الاخطر من ذلك أنه اصبح بإمكان جهة ما، مع سهولة الاتصال، توجيه الرأي العام باتجاهات خاطئة لمصلحتها أو لتخدم مصالح غير وطنية احيانا. فما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي، والذي اصبح مصدرا رئيسا للمعلومات لدى الكثيرين وخصوصا فئة الشباب، يحتوي على مواد لا تعدو قيمتها قيمة الاشاعات والتي قد يكون مصدرها مشبوها ويهدف الى اثارة الفتن أو التشكيك في المعتقدات او زعزعة منظومة القيم والاخلاق المجتمعية.
قبل مدةٍ كنت استمع الى خبير اعلامي سعودي في حديثٍ لهيئة الاذاعة البريطانية بي بي سي حيث قال انه بالرغم من وجود العديد من المحطات التلفزيونيه الخاصة وغير الخاضعة للحكومات فإن الاعلام العربي يعاني من فشل ذريع لانه يفتقر الى ثلاثة عناصر مهمة وهي الحرية والموضوعية والحيادية، وان ذلك ادى الى تشويه الشخصية العربية وافسادها وتحويل الشعوب العربية الى شعوب مغفله يمكن ان تنطلي عليها الاعيب السياسيين واصحاب رؤوس الاموال.
اعتقد ان بعض ذلك يحدث ايضا حتى في الدول الديمقراطية المتقدمة حيث يحاول الاعلام ان يلعب لعبتهُ لتوجيه الرأي العام باتجاهات تخدم اغراضاً سياسية، ولكن اعتقد ان الفرق الوحيد بيننا وبينهم هو ان النخب التي توجه الرأي العام هي اكثر وعياً ووطنيًة مما هي في عالمنا العربي. فالنخب في عالمنا العربي (ان وجدت)، فهي نخب هزيلة لدرجة انها هي نفسها اصبحت توجه من قبل الساسة واصحاب رؤوس الاموال ثم ترمي سمومها الى الناس من خلال وسائل الاعلام المتطورة.
للأسف فإن ما يحدث في عالمنا العربي تحت ما يسمى اعلاماً خاصاً ما هو سوى تجارة دكاكين ليس لديها اي هدف وطني او قومي؛ فهو اما أن يكون محكوماً من قبل الاجهزة الامنية للأنظمة او من قبل راس المال الذي يسعى للثروة ويقع ضحيته الشعوب المسكينه التي تلهث وراء رغيف الخبز لتوجهه باتجاهات دينية او طائفيه او مناطقية دون ان يكون له مصلحة في ذلك.
الاعلام الحر الذي تقوده النخب الواعيه هو الاداة التي تشكل الراي العام باتجاه وطني والتي تمنع حصول تحالف بين القوى السياسية ضد مصالح الشعب.
ودمتم

